العدد 6262
السبت 06 ديسمبر 2025
كوكب الشرق في الميزان
السبت 06 ديسمبر 2025

في سلسلة المقالات التي تحدثنا فيها عن المطربة والفنانة المصرية الكبيرة أم كلثوم تناولنا كيف ارتقت سلّم المجد من إنسانة ريفية مُعدمة يصطحبها والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي معه أثناء صباها لتغني في المواليد والمناسبات الدينية في قريتها وعدد كبير من القرى المصرية، حتى أصبحت مطربة عظيمة بعد أن هاجرت مع أبيها إلى القاهرة واستقرت فيها، فأضحت بعدئذ سيدة الطرب الأولى في مصر والعالم العربي بلا منازع خلال خمسين عاماً من مسيرتها الفنية الممتدة من 1925 إلى 1975. وكان لحنجرتها الصوتية وثقافتها اللغوية والأدبية دور محوري كبير لصعودها القمة الفنية الطربية، ما أعطاها سلطة عليا في تقرير ما يصلح وما لا يصلح من ألحان وكلمات في أي مشروع عمل فني غنائي يُعرض عليها، وهي سلطة لا يستطيع ملحنو أغانيها ومؤلفو كلماتها مجاراتها فيها، ويخضعون تماماً مستسلمين لملاحظاتها أو تحفظاتها. هي التي تقاسم مسيرتها الفنية التي تقاسمها العهدان الملكي والجمهوري بالتساوي. ولئن كنا قد تناولنا ما حققته كوكب الشرق من أدوار فنية عظيمة في تطور الموسيقى والغناء في مصر والعالم العربي خلال القرن العشرين ودورها في توظيف هذه المسيرة في خدمة قضايا وطنها وأمتها، فذلك لا يعني خلوها من الشوائب والسلبيات، فلا تستقيم الكتابة الموضوعية إلا بذكر مالها وما عليها.

والحال فإن مطربتنا الكبيرة لم تسلم من آفة الغرور بعد تتويجها عرش الغناء العربي الذي تربعت عليه نصف قرن بالتمام والكمال، فباستثناء محبتها لجمهورها بتدليلها إياه بما يطلب من إعادة فقرات من أغانيها مرات ومرات، فإنها تعاملت مع بعض ملحنيها بفظاظة. 

وأشهر ضحية في هذا الصدد محمد القصبجي، ولم تتردد في السخرية منه في كثير من المواقف التي وثقتها الصحافة وكثرة المؤلفات التي تناولت مسيرتها الفنية أو جوانب منها، وعلى عكس فنان كبير مثل المطرب عبدالحليم حافظ الذي اعتاد أن يوجه الشكر والامتنان إلى العازفين وملحني أغنياته ومؤلفي كلماتها، فإن هذا التقليد غير وارد في نهج ومسيرة سيدة الغناء العربي على الإطلاق، بل إن العندليب الأسمر كان واحداً من ضحاياها عندما تعمدت في احتفالات الثورة عام 1964 أن تطيل في وصلتي غنائها حتى الثانية والنصف فجراً، الأمر الذي أثار حنق عبدالحليم الذي وجّه عتاباً ساخراً للمقلب المتعمد الذي وضعته فيه. فما كان منها إلا أن حرضت المشير عبدالحكيم عامر ليتخذ قراراً بمنعه من الغناء قيل لفترة امتدت بضع سنين.

كما أنها في إحدى حفلاتها التي أحيتها خلال زيارتها ليبيا لم تتوان عن شتم أحد الحاضرين، لأنه ناداها طالباً منها إعادة إحدى فقرات الأغنية التي كانت تؤديها بعبارة “يا مرة”، وهي كلمة معيبة بحق المرأة ذات الشخصية المحترمة، بينما هي كلمة عادية متداولة في اللهجة الليبية، ولم تتريث لتفطن بأن الرجل في موضع إبداء إعجاب بها لا توجيه الشتائم إليها. أضف إلى ذلك أنها تعاملت في مفاوضاتها مع متعهدي حفلاتها بتشدد إلى حد العنت لفرض ما تتقاضاه من عائد مشروع أي أغنية أو إحياء حفلة غنائية، دون أن تتزحزح عن مليم واحد فيما تتقاضاه. ومن ضحاياها تجبرها أيضاً على شاعر أغانيها الشهير أحمد رامي الذي غنت من كلماته 137 أغنية من مجموع 283 أغنية غنتها طوال مسيرتها الغنائية، فقد أحبها هذا الشاعر حباً جنونياً وارتضى بأن يبدع في أشعاره المعبرة عن لواعج غرامه الجنوني حتى لو كان هذا الحب من طرف واحد، وهي أيضاً ظلت مستمتعة بكلمات ذات حرارة عاطفية وجدانية صادقة نُسجت من وحي الواقع والتجربة العيانية لا من وحي مخيلة الشاعر الأدبية.

وأخيراً فقد كان من أمثلة أو نماذج ضحاياها ما كشف عنه شاعر العامية الشهير المعروف بسلاطة لسانه في الهجاء والنقد السياسي أحمد فؤاد نجم، حيث كشف بأن المقصود في قصيدته “كلب الست” ما تعرض له أحد الطلبة الذي كان مع شلة من زملائه يحيون يوماً رياضياً، فمروا بالمصادفة خلف ڤيلا أم كلثوم في الزمالك، فتصدى كلب الست لواحد منهم وأشبعه نهشاً في قدمه وعندما أبلغ الضحية قسم الشرطة بما حدث وتم تحرير محضر بذلك، لكنه فوجئ بقرار النيابة بعدئذ بإعفاء الست وكلبها من المسؤولية الجنائية بالنظر لما تؤديه من خدمات جليلة للدولة، الأمر الذي استفز شاعرنا فما كان منه إلا أن نظم تلك القصيدة الشهيرة.

 

*كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .