ان تخفيض التصنيف الائتماني للبحرين مؤخرا من قبل وكالة ستندردز اند بورز استند حسبما يبدو على ثلاثة مؤشرات بشكل اساسي . أولها عجز الموازنه وارتفاع الدين العام وتوقعات باستمرار انخفاض اسعار النفط . فيما يخص الموازنه فأن نسبة العجز تقدر بحوالي 7.6% من الناتج الاجمالي المحلي . اما بالنسبة للدين العام فانه لايزال اقل من مثيله فى بعض الدول المتقدمة مثل ايطاليا وليس اكثر بكثير من مثله فى فرنسا وان كان يعتبر مرتفعا نسبيا فى حدود 120% من الناتج الاجمالي المحلي للبحرين . على صعيد اسعار النفط فان التوقعات تشير الى استمرار ضعف اسواق النفط وبالتالي احتمال نزول اسعار النفط الى ما دون 60 دولار للبرميل . وفى الواقع فأن استمرار انخفاض اسعار النفط من شأنه ان يزيد من كل من عجز الموازنه وارتفاع الدين العام . وبذالك تزامنت هذه الامور الثلاثة مع بعض لكي تعطي لوكالة التصنيف الائتماني صورة غير ايجابية عن اقتصاد البحرين . وفى حالة استثنينا هذا الجانب فأن اقتصاد البحرين يتمتع بمزايا لايمكن التقليل من شأنها . أولا البحرين حققت تنويعا هاما فى اقتصادها حيث ان الاقتصاد اصبح لا يعتمد كثيرا على النفط الذي لا يشكل اليوم اكثر من 16% من الناتج الاجمالي المحلي . بينما القطاعات غير النفطية تمثل حوالي 84% واهمها الخدمات المصرفية وقطاع الصناعة بينما قطاعات آخرى كالسياحه فى تصاعدا ملحوظ . المشكلة تكمن فى ان النفط بالرغم من كونه لا يمثل اكثر من 16% من الناتج الاجمالي المحلي الا انه يمثل فى نفس الوقت اكثر من 55% من الايرادات الحكومية . لذالك نجد ان هناك تأثير مباشرلانخفاض اسعار النفط على دخل الحكومة وبالتالي زيادة عجز الموازنه ولجؤ الحكومة الى الاقتراض لسد هذا العجز او على الاقل التقليل منه . لا ننسى كذالك ان البحرين مع ذالك تحقق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة نسبيا تقدر بحوالي 3% هذا العام ويتوقع ان تتجاوز ذالك العام القادم . هذا اضافة الى ان متوسط دخل الفرد يضع البحرين فى مستوى الدول المتقدمة . اذا ان حكم وكالة التصنيف الائتماني على الوضع الاقتصادي للبحرين يرتكز على مؤشرات محدودة ترتبط بشكل اساسي بشهية المستثمرين والمقرضين ولا تمثل بالضرورة الوضع الاجمالي لاداء اقتصاد البحرين . كذالك فأن احكام وكالات التصنيف الائتماني تخضع لاعتبارات تقديرية قابلة للخطأ والصواب . وكما عهدنا فى عدة مناسبات كيف ان وكالات التصنيف الائتماني تعرضت لعدة انتقادات خاصة على اثر ازمة الرهن العقاري فى عام 2008 حين اعطت تقييمات مرتفعة جدا لبعض السندات التي تكشف عنها فيما بعد بانها ذات مخاطر عالية ولم تكن تستحق اعطائها اكثر من تصنيفات متدنية . كذالك فأن وكالات التصنيف الائتماني تعاني من ظاهرة الاحتكار وقلة المنافسة حيث ان حوالي 95% من سوق التصنيفات الائتمانية تحتكره ثلاث وكالات فقط . هذا اضافة الى ان وكالات التصنيف الائتماني تعاني ايضا من مشكلة تضارب المصالح حيث تعتمد على الرسوم التي تتقاضاها من زبائنها وبالتالي قد يدفعها مثل هذا الامر فى بعض الحالات الى مجاملة الزبائن رغبة فى استمرار عملهم مع هذه الوكالات . هل هذا يعني ان تخفيض تصنيف البحرين يمكن ان يكون خطأ او لا يجب ان نعيره الاهتمام اللازم او لا ينبغي ان نأخذه على محمل الجد ؟ لا ولا يجب ابدا الاستهانه بهذا النوع من التقييمات ليس فقط الصادر عن وكالات التصنيف الائتماني ولكن ايضا التقييمات الصادرة عن بعض المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي حيث ان البحرين وان كانت لا تحتاج الى الاقتراض من صندوق النقد الدولي الا ان تقييمات الصندوق ووكالات التصنيف الائتماني هي بمثابة شهادة حسن سير وسلوك تستند عليها الدول لغرض جذب الاستثمارات وللترويج لتسويق سنداتها بافضل الاسعار واقل التكاليف . من هذا المنطلق تحرص الدول على الحصول على احسن التصنيفات وافضل التقييمات من خلال تجنب الاختلالات المالية والحرص على ان لا يكون عجز الموازنه او مستوى الدين العام يخيف المستثمرين والمقرضين هذا كما ان مثل هذه الامور من شأنها كذالك رفع تكاليف الاقتراض للدول المعنية . بالنسبة للبحرين وان كان خفض التصنيف الائتماني لا يستدعي كثيرا من الارتباك الا انه مع ذالك يتطلب اتخاذ اجراءات هامة وسريعة تعيد للاقتصاد توازنات مالية افضل من خلال العمل على تحسين وضع المعادلة المعروفة والتي تقتضي من ناحية ترشيد الانفاق ومن ناحية آخرى تطوير وتنويع مصادر الدخل . صحيح ان المسألة ليست بالبساطة التي يمكن تخيلها حيث ان هناك محددت للهامش الذي يمكن من خلاله اجراء الترشيد المطلوب الا ان هذا الامر ليس بجديد على البحرين حيث ان الاقتصاد والمجتمع قد تطور بشكل كبير وتطورت وفقا لذالك احتياجاته فى الوقت الذي بقيت موارده محدودة ومتواضعة لكن مع ذالك استطاعت البحرين تحقيق معدلات نمو جيدة وبناء على هذا السجل نعتقد بان البحرين قادرة على اجراء الاصلاحات اللازمة لضمان استعادة مكانتها الائتمانية المستحقة .
*الرئيس السابق لصندوق النقد العربي