كثرت مؤخرًا التحذيرات من إمكانية حدوث أزمة مالية عالمية جديدة. وفى الواقع لا ينبغي أن يكون مثل هذا الأمر مستغربا تماما خاصة بالنسبة للدول التي تعمل اقتصاداتها وفقا للنظم الرأسمالية التي بطبيعتها معرضة لحالات متباينة من الدورات الاقتصادية التي تظهر أحيانا فى شكل ازدهار اقتصادي وأحيانا أخرى فى شكل كساد كبير. وفى هذا السياق لا يجب أن يغيب عن الذاكرة الأزمات المالية المتكررة التي حدثت خلال العقود والسنوات الماضية بدءًا من الكساد الكبير فى عام 1929 مرورًا خلال العقود القليلة الماضية بفقاعات الانترنت وآخرها أزمة الرهن العقاري فى عام 2008.
وبالطبع فإن التوقعات والتحذيرات الحالية حول إمكانية حدوث أزمة مالية جديدة لا تأتي من فراغ بل تستند إلى مجموعة من المعطيات والمؤشرات التي من الصعب التقليل من شأنها. أول هذه المعطيات والمؤشرات هو الارتفاع القياسي فى تقييمات الأسواق المالية حيث إن الأسواق المالية العالمية وصلت إلى مستويات عالية جدا تنذر بالمخاطر والمحاذير.
كما أن مكررات الربحية وصلت لمعدلات غير طبيعية خاصة فى قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي حيث وصلت فى بعض الحالات إلى أكثر من 55 مرة.
وما قد يدعو إلى الاستغراب أن هذا الاتجاه من الارتفاع فى الاسواق المالية لا يستند إلى قوة الاقتصاد حيث إنه على العكس فإن أهم الاقتصادات الغربية بما فيها اقتصاد أمريكا يمر بمرحلة أشبه بالركود وتدني فرص الوظائف والعمل. على صعيد آخر فإن الاقتصادات الغربية تعاني فى نفس الوقت من اختلالات مالية عميقة ممثلة فى ارتفاع كبير فى عجز الموازنات وتصاعد غير مسبوق فى مستوى المديونية.
وسواء تحدثنا عن اقتصاد أمريكا والذي يمثل الثقل الكبير فى الاقتصاد العالمي أو تحدثنا عن اقتصادات الدول الأوروبية وخاصة فرنسا وبريطانيا وايطاليا فإن الأوضاع المالية لجميع هذه الدول ليست على ما يرام ومعرضة وفقًا لذلك لأزمات مالية واقتصادية قد لا تتوقف عند حدود هذه الدول بل قد تنعكس سلبا على معظم دول العالم.
وكما نعلم فإن هذه الاختلالات المالية ليست وليدة الأمس ولكنها نتيجة عوامل وأسباب تم التساهل فيها مع عدم الاهتمام أو الالتزام بالانضباط المالي. فمن ناحية وعلى الرغم من عدم تمكن هذه الدول من تحقيق معدلات نمو مرتفعة تؤمن لها دخلًا مرغوبًا استمرت مع ذلك فى التوسع فى الأنفاق سواء بهدف رفع قدراتها العسكرية أو محاولة لتحسين وضع مرافق بنيتها الأساسية. وقد صادف خلال تلك الفترة وإن كانت أسعار الفائدة فى مستويات متدنية الأمر الذي شجع هذه الدول على مزيد من الاقتراض دون الاهتمام الكافي بتراكم المديونية. والأمر لا يقتصر حسبما يبدو على الدول بل ينسحب أيضًا على الأفراد الذين استسهلوا عمليات الاقتراض. ففى أمريكا على سبيل المثال لم يكن الاقتراض منتشرًا كثيرًا حتى عام 1900، وذلك لأسباب دينية وأخلاقية إلا أن ذلك بدأ يتغير بعد ذلك التاريخ مع محاولة شركة جنرل موتور زيادة مبيعاتها من السيارات عن طريق الائتمان والأقساط حيث سرعان ما تلقفت الأسواق المالية هذه الفكرة لتبدأ بدورها فى نشر ثقافة التعامل من خلال الهامش إلى درجة أنه أصبح فى الإمكان أن تدفع 10 % من قيمة الصفقة والباقى فى شكل ائتمان أو اقتراض. وهكذا أصبح الاقتراض هو الأمر الشائع وأصبح المجتمع معتاد عليه مما أدى نتيجة لهذه الثقافة إلى تزايد مستويات المديونية ليس فقط للأفراد ولكن للدول كذلك. وفى الواقع فإن ظاهرة الاقتراض والمديونية تمثلان وجها آخر لأسباب حدوث الأزمات المالية. وكما نلاحظ حاليا فإن هناك تهافتا كبيرا على الاستثمار فى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بشكل قد يكون مبالغا فيه كذلك فإن الاقبال الكبير على الاستثمار فى العملات المشفرة التي لا تخضع حتى الآن لتشريعات محكمة ومطمئنة يبعث بالتأكيد على التخوف من أن يؤدي مثل هذا النوع من المغامرة إلى فقاعات مخطورة من شأنها أن تنتهي بأزمات مالية كبرى. وفى الواقع حتى الإقبال الكثيف على شراء الذهب والذي وصل سعره إلى 4200 دولار يعتبر مبالغ فيه الى حد كبير حتى وإن كان تبريره على أساس كونه ملجأً للتحوط والآمان. يبدو أن الإقبال المتهافت والذي قد يكون متهورًا إلى حد ما فى الاستثمار فى كل من الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة وحتى الذهب يمثل نوع من المضاربة أكثر منه استثمارًا مدروسًا. ولا شك أن الطمع والجشع هما غرائز متأصلة يصعب مقاومتها كما يعكسها الفلم السينمائي المشهور وول ستريت للممثل الأميركي مايكل دوغلاس حيث يعرض الفلم كيف أن الرغبة الشديدة فى كسب أقصى ما يمكن من المال تحول دون التقييم السليم للمخاطرالتي تنتهي فى الغالب بأزمات مالية كارثية..
*الرئيس السىابق لصندوق النقد العربي