شهدت العقود الأخيرة تناميًا ملحوظًا في التساؤلات والشكوك حول الثقة في الدواء، وهو ما يُعد ظاهرة متعددة الأبعاد تتأثر بعوامل مختلفة. لا يمكن القول بشكل مطلق إن الثقة اهتزت بالكامل، لكن من المؤكد أنها تعرضت لاهتزازات وتحديات كبيرة.
وتعود جذور هذا الاهتزاز إلى عوامل رئيسية عدة: أولاً، الآثار الجانبية التي تظهر على بعض المستخدمين، حيث يرى البعض أن العلاج قد يكون أسوأ من المرض نفسه، ما يولد الخوف والتردد في الالتزام بالوصفات الطبية. ثانيًا، ظهور معلومات غير دقيقة أو مضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، حيث يتبادل الأفراد قصصًا فردية قد تضخم السلبيات أو تروج لعلاجات بديلة غير مثبتة علميًا، ما يشوش على الحقيقة العلمية. ثالثًا، القلق من الاعتياد على الدواء، خصوصا الأدوية النفسية، رغم نفي الأطباء المختصين مفهوم الإدمان بالمعنى الشائع في الكثير منها. يُضاف إلى ذلك أحيانًا عوامل تتعلق بتجربة المريض، مثل عدم الفهم الواضح لتعليمات الاستخدام، أو ارتفاع التكاليف، أو حتى عدم الثقة في مقدم الرعاية الصحية نفسه. هذه العوائق تؤدي إلى ما يُعرف بعدم الالتزام بالعلاج، والذي له عواقب وخيمة على صحة المريض والمجتمع ككل.
ولمواجهة هذا التحدي، يتطلب الأمر جهداً مشتركاً: من جهة، يجب على شركات الأدوية والجهات الرقابية ضمان أعلى معايير الجودة والشفافية. ومن جهة أخرى، يقع على عاتق الأطباء والصيادلة توضيح الحقائق العلمية بشكل مبسط، وشرح آليات عمل الأدوية وفوائدها مقارنة بمخاطرها المحتملة، وتبديد المخاوف الشائعة بمهنية. إن استعادة وتقوية الثقة في الدواء تتطلب التعليم المستمر، والشفافية المطلقة، والتواصل الفعال بين مقدمي الرعاية والمرضى.
*كاتب وإعلامي سعودي