صور آل الأسد تختفي قريباً من الليرة السورية بعد 50 عاماً من الظهور
"إجاك الدور يا دكتور".. الهتاف الأشهر للثورة السورية بدأ على لسان أطفال مدينة درعا في مواجهة الطبيب السابق بشار الأسد الذي حكم سوريا لنحو ربع قرن من الزمان شهدت حرباً استمرت 14 عاماً، وأدت إلى تدهور اقتصاد البلاد وانخفاض عملتها "الليرة" لمستوى متدنٍ، والآن جاء الدور على بشار ليرحل مجدداً ولكن هذه المرة ليس عن كرسي الحكم ولكن من على الورقة النقدية التي ارتبطت بأزمة سوريا الاقتصادية.
وعقد حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية اجتماعاً تنسيقياً مع وزير الإعلام حمزة المصطفى، وذلك تحضيراً لإطلاق حملة إعلامية شاملة بمناسبة قرب إصدار العملة الوطنية الجديدة. وناقش الطرفان خلال اللقاء الذي نشرت تفاصيله وكالة الأنباء السورية اليوم الاثنين؛ الجوانب الفنية والتواصلية المتعلقة بالحملة، بما يضمن إيصال الرسائل التوعوية إلى مختلف شرائح المجتمع، وتعزيز الثقة بالسياسات النقدية الجديدة.
مصرف سوريا المركزي أعلن عن طباعة عملة سورية جديدة من 6 فئات، لكن الجديد أنها ستكون خالية من الصور والرموز لتودع الليرة السورية صورة حافظ الأسد الرئيس الأسبق ونجله بشار.
خطوة المصرف المركزي جاءت في محاولة لإنقاذ قيمة العملة المتدهورة، ورغم أنها خطوة "نفسية" إلى حد كبير، ولكنها تأتي ضمن إجراءات كثيرة لإصلاح الاقتصاد السوري بعد عقود من التراجع.
المواطن السوري الذي يبلغ من العمر حالياً 50 عاماً عاش طوال حياته تحت حكم عائلة الأسد، حيث ولد في عهد الأب حافظ الذي حكم سوريا من عام 1971 وحتى وفاته في عام 2000، ليخلفه نجله بشار الذي استمر في الحكم حتى ديسمبر من عام 2024.
كان على المواطن السوري أن يرى صور حافظ وبشار في المدارس والمؤسسات الحكومية وحتى الخاصة، بالإضافة إلى الصور والتماثيل المنتشرة في الشوارع والميادين السورية وحافظة نقوده.
قبل الحرب السورية التي اندلعت في عام 2011 كان سعر الدولار الأميركي يبلغ 50 ليرة، ولكن استمرت العملة السورية في التدهور بسبب تداعيات الحرب حتى وصل الدولار إلى 15 ألف ليرة، ولكن يستقر السعر حالياً فوق مستوى 11 ألف ليرة بقليل.
صورة حافظ الأسد موجودة على الورقة النقدية التي تصل قيمتها إلى 1000 ليرة، ولكن مع تدهور قيمة العملة صدرت ورقة أخرى بقيمة 2000 ليرة تحمل صورة بشار الأسد، وكان على المواطن السوري أن يحمل "أكواماً من النقد" عليها صورة الأسدين من أجل التسوق.
وفي يناير من عام 2021 أصدر مصرف سوريا المركزي ورقة نقدية جديدة بقيمة 5 آلاف ليرة مع التدهور المستمر في قيمة العملة، لكنها لم تحمل صورة الأسد الأب أو الابن، إلا أنها كانت دليلاً على انهيار اقتصادي غير مسبوق.
إنقاذ الليرة
تعتمد قيمة العملة على قوة الاقتصاد الوطني ووفرة موارده من النقد الأجنبي خاصة الدولار الأميركي، وهي عوامل يفقدها الاقتصاد السوري الذي واجه عقوبات دولية غير مسبوقة بسبب ممارسات النظام السابق.
ورغم غياب البيانات الرسمية بسبب العزلة الاقتصادية السورية، فإن التقديرات تشير إلى أن احتياطي النقد الأجنبي لدى سوريا لا يتجاوز 200 مليون دولار عند رحيل النظام السابق، بالإضافة إلى مخزون من الذهب يصل إلى 26 طناً فقط.
وتعاني سوريا من تدهور الصادرات بسبب إغلاق عدد كبير من المصانع بسبب الحرب وتوقف صادرات النفط بسبب العقوبات الاقتصادية، وهو ما أدى إلى فقدان البلاد للمورد الرئيسي للعملة الصعبة.
كما تراجع الإقبال السياحي على سوريا بسبب تدهور الوضع الأمني في البلاد وانهيار الخدمات الفندقية والتدمير الذي طال عدد كبير من المواقع الأثرية، ما أدى أيضاً إلى فقدان إيرادات السياحة.
ورغم أن تحويلات المغتربين تعتبر من أهم موارد العملة الأجنبية في البلاد التي تشهد معدلات هجرة مرتفعة، إلا أن "التغربية السورية" بعد الحرب تضمنت عائلات كاملة لم يعد لها علاقة بالداخل السوري حتى ترسل الأموال إلى البلاد.
"أمجد" طفل سوري يبلغ من العمر 13 عاماً ولد في مدينة السادس من أكتوبر غرب العاصمة المصرية القاهرة، يتعامل بالجنيه المصري حيث يساعد والده المهاجر في متجر الإلكترونيات الذي يملكه بأحد المولات التجارية بالمدينة المصرية.
يعرف "أمجد" شكل الليرة السورية من خلال النقود التي ما زال والده يحملها معه، ولكنه ليس متأكداً من موعد عودته مجدداً إلى سوريا، حيث استقر والده في مصر منذ نحو 14 عاماً والتحق الطفل مع أشقائه الأربعة - ولد 3 منهم في مصر - بمدارس مصرية.
التضخم وسعر الفائدة من العوامل التي تحدد قيمة العملة، ومع ارتفاعات قياسية للتضخم في سوريا وزيادات في أسعار جميع السلع، فإن الليرة ليست على مسار ارتفاع قريب، ولكن هناك إجراءات مرتقبة منها حذف "صفرين" عند إصدار العملة الجديدة.
الشعب السوري الذي يعيش نحو 90% منه تحت خط الفقر سيتعامل بـ "ليرة جديدة" لا تحمل صورة الأسدين، ولكنها ما زالت متأثرة بسنوات الحرب والانهيار الاقتصادي الذي استمر لسنوات طويلة.
تفاصيل الليرة الجديدة
كشف حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية، في مقابلة خاصة مع قناة العربية، عن أبرز ملامح وتفاصيل العملة السورية الجديدة، مؤكداً أنها ستشهد إزالة صفرين من قيمتها الاسمية، في خطوة تهدف إلى تبسيط التعاملات النقدية وتعزيز الثقة بالعملة المحلية.
وأوضح الحصرية أن العملة الجديدة ستُطبع لدى أكثر من جهة، لضمان الجودة والأمان والسرعة في عملية الإصدار، مشدداً على أن المصرف "سيقوم بكل ما يلزم للتخلص من آثار العملة القديمة"، بما في ذلك سحب الفئات المتقادمة تدريجياً من السوق.
وأضاف أن التصميم الجديد سيُراعي عكس الهوية الوطنية السورية من خلال اختيار ألوان ورموز مستوحاة من التاريخ والثقافة المحلية، لافتاً إلى أن المصرف قرر أن تكون العملة الجديدة خالية من الصور أو الرموز السياسية، في إشارة إلى توجه نحو طابع أكثر حيادية واستقراراً.
وفي بيان أمس الأربعاء، قال الحصرية إن العملة السورية الجديدة ستصدر بست فئات لتلبية احتياجات التداول اليومية بكفاءة أكبر، وستتراوح هذه الفئات بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة لضمان سهولة التعامل النقدي في الأسواق.
وأوضح أن مصرف سوريا المركزي سيعلن عن تفاصيل كل فئة من حيث القيمة والحجم والتصميم في الوقت المناسب، وذلك بعد استكمال الإجراءات الفنية والأمنية الخاصة بالطباعة والإصدار.
وأضاف حاكم مصرف سوريا المركزي أن العملة الجديدة لن تكون "مجرد أرقام"، بل ستكون ذات هوية وطنية معاصرة تعبر عن الحداثة والاستقرار الاقتصادي.
ضبط السيولة النقدية
وأشار إلى أنه ستواكب إطلاق العملة الجديدة إجراءات مدروسة من قبل المركزي السوري، لضبط السيولة والحفاظ على استقرار الأسعار، تشمل مراقبة السوق النقدية، وضبط حركة الكتلة النقدية المتداولة، وتفعيل أدوات السياسة النقدية لضمان عدم حدوث تضخم أو مضاربات نتيجة طرح الفئات الجديدة.
وقال الحصرية إن إطلاق العملة السورية الجديدة سيسهم في معالجة جانب من مشكلة نقص السيولة، وخصوصاً من خلال استبدال الأوراق التالفة، وضخ أوراق نقدية حديثة أكثر جودة وتحملاً.
وأوضح أن هذا الإجراء سيحسن من انسيابية التداول النقدي في الأسواق دون أن يؤدي إلى زيادة حقيقية في الكتلة النقدية، أي أن الهدف هو "التحديث وليس التوسع النقدي".
وأشار إلى أن إيجابيات إطلاق العملة الجديدة متعددة، وعلى رأسها تعزيز الثقة بالعملة الوطنية وإعطاؤها مظهراً حديثاً ومتطوراً، وتحسين كفاءة التداول النقدي وتقليل تكاليف الطباعة المستقبلية، ودعم النشاط الاقتصادي عبر تسهيل المعاملات التجارية والنقدية، كما سيسهم على المدى المتوسط، في تحسين استقرار سعر صرف الليرة السورية من خلال رفع الثقة بالسياسة النقدية، والحد من التداول بالأوراق التالفة أو المزورة.
