+A
A-

المتحف المصري الكبير من التصميم إلى الافتتاح.. ما قصة المكتب الأيرلندي؟

في لحظة بدت وكأنها مزحة، تلقت المعمارية الإيرلندية رويسين هينيغان اتصالاً قبل 22 عاماً يخبرها بأن مكتبها الصغير، المكون من 4 أشخاص فقط، فاز بتصميم واحد من أكبر المتاحف في العالم. لم تصدق الأمر، واضطرت للاتصال مجدداً للتأكد من أن الأمر ليس خدعة.

وقالت هينيغان في مقابلة مع شبكة "CNN" في دبلن، حيث تدير شركة "Heneghan Peng Architects" مع زوجها شيه فو بينغ: "كان الأمر غير واقعي"، وأضافت: "تلقيت الاتصال، وأغلقت الهاتف، ثم قلت: أعتقد أننا فزنا".

قبل ذلك بـ18 شهراً، وتحديداً في عام 2002، أطلقت الحكومة المصرية مسابقة دولية لتصميم المتحف المصري الكبير، وهو مشروع ضخم يقع على مرمى حجر من أهرامات الجيزة، ويتوقع أن يضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية.

لكن المفاجأة لم تكن فقط في فوز مكتب معماري غير معروف من أيرلندا، بل في أن تنفيذ المشروع استغرق أكثر من عقدين، وتجاوزت تكلفته حاجز المليار دولار، حتى أصبح الحلم واقعاً.

افتتاح طال انتظاره

اليوم، وبعد سلسلة طويلة من التأجيلات والعقبات، يفتتح المتحف المصري الكبير أبوابه رسمياً، في حدث وصفته الحكومة بأنه "محوري" لقطاع السياحة، حتى أنها أعلنت عطلة رسمية احتفالاً بهذه اللحظة التاريخية.

المشروع الذي أعلن عنه لأول مرة عام 1992، واجه تحديات جسيمة، من ثورة يناير 2011، وأخرى في 2013، وصولاً إلى جائحة كورونا التي أطاحت بآمال افتتاحه في 2018، رغم إدراجه حينها ضمن قائمة CNN لأكثر المباني المرتقبة عالمياً.

وفي بيان صحافي، وصفت الشركة المصممة المتحف بأنه "شهادة على عظمة واستمرارية الحضارة المصرية القديمة"، كما أنه يعكس صبر المصممين الذين انتظروا أكثر من 20 عاماً لرؤية حلمهم يتحقق.

تصميم بصبر.. وتنفيذ عن بعد

هينيغان، التي كانت في أواخر الثلاثينيات من عمرها حين فازت بالمسابقة، تقول إنها زارت الموقع آخر مرة قبل سنوات، ولم تحضر حفل الافتتاح. ولم يمنح مكتبها دوراً إشرافياً خلال التنفيذ، ما اضطرهم للاعتماد على صور فوتوغرافية وخرائط "غوغل" لمتابعة سير العمل.

وتوضح: "في مصر، كما في كثير من مشاريع المنطقة، فرق الإشراف تكون منفصلة تماماً عن فرق التصميم، وهذا ما حدث هنا".

ورغم بعض التعديلات على التصميم الأصلي، تؤكد هينيغان أن ذلك "أمر طبيعي" في مشروع بهذا الحجم، مضيفة: "المشاريع الكبيرة معقدة، وهذا متحف ضخم ينقل قطعاً أثرية شديدة الحساسية، لذا إن استغرق الأمر وقتاً أطول لتنفيذه بشكل صحيح، فهو يستحق ذلك".

كنوز الحضارة في قلب المتحف

يمتد المتحف على مساحة تزيد عن 258 ألف قدم مربعة للعرض الدائم، ليصبح الأكبر عالمياً المخصص لحضارة واحدة. ويضم قطعاً نادرة من البرديات، والمنسوجات، والتوابيت، والفخار، وبقايا بشرية محنطة، موزعة وفقاً للتسلسل الزمني من العصر قبل الأسرات حتى العصر القبطي.

أما قاعة توت عنخ آمون، فتضم 5 آلاف قطعة من مقتنيات الملك الشاب، في عرض يبرز حجم الكنوز التي خلفتها الحضارة المصرية.

وتقول هينيغان: "كنا نريد للزوار أن يشعروا بعظمة المجموعة المعروضة".

مدخل مهيب.. ونهاية بانورامية

يبدأ الزوار رحلتهم من ساحة خارجية مزينة بحدائق ومسطحات خضراء، يتوسطها مسلة ضخمة تزن 87 طناً، قبل أن يدخلوا إلى بهو شاهق يتوسطه تمثال رامسيس الثاني بارتفاع 36 قدماً.

الواجهة الخارجية للمتحف، التي تتخذ طابعاً هرمياً، صممت باستخدام الخرسانة والزجاج والحجر الجيري المحلي، وتستمر هذه العناصر داخل البهو، حيث تسمح طيات السقف بدخول الضوء الطبيعي، في خروج عن المألوف في تصميم المتاحف.

وتوضح هينيغان أن الضوء الطبيعي "يخلق أجواء أفضل من الإضاءة الصناعية المستمرة"، خاصة وأن القطع الحجرية أقل حساسية للشمس مقارنة باللوحات أو المنسوجات.

أما قلب المتحف، فهو درج ضخم من 6 طوابق، يصعد عليه الزوار بين تماثيل فرعونية مرتبة عكسياً من الأحدث إلى الأقدم، حتى يصلوا إلى "التحفة الكبرى": منظر بانورامي مباشر لأهرامات الجيزة، على بعد ميل واحد فقط.

احترام الجوار التاريخي

تصميم متحف بجوار أحد عجائب الدنيا السبع لم يكن مهمة سهلة. لكن هينيغان وبينغ اختارا نهجاً متواضعاً بصرياً، بحيث لا يطغى المبنى على الأهرامات.

فحتى ميلان السقف صمم ليشير إلى أعلى نقطة في الهرم الأكبر دون أن يتجاوزها، كما أن خطوط المبنى تتوزع كعدسة واسعة، تتجه هندسياً نحو الأفق الذي تخدمه.

وتقول هينيغان: "تحدثنا عن إنشاء 'حافة جديدة' لهضبة الصحراء. كان علينا تحقيق التوازن بين حجم المبنى وأهمية الموقع".

وقد يكون هذا التواضع المعماري هو ما منح التصميم الإيرلندي الفوز على أكثر من 1500 شركة من 80 دولة. ورغم أن الفوز بالمشروع رفع من شهرة المكتب، إلا أن هينيغان تؤكد أن فلسفتهم بقيت كما هي (تصميم مدروس، بعيد عن الاستعراض).

تصميم خالد

اليوم، وبعد أن توسعت الشركة وافتتحت مكتباً في برلين، وتضم 20 موظفاً يعملون على مشاريع متنوعة، من المتحف الفلسطيني في الضفة الغربية إلى مركز الزوار في "جايانتس كوزواي" بأيرلندا الشمالية، تبقى هينيغان متمسكة بتصميمها الأول.

وقالت: "لو طلب منا تصميم المتحف من جديد اليوم، لما غيرنا الكثير. الهيكل الأساسي قوي، ويصمد أمام الزمن".