العدد 6227
السبت 01 نوفمبر 2025
الإيجابية المتوازنة
السبت 01 نوفمبر 2025

 في كثير من المنعطفات التي مرّت بنا خلال العقدين الأخيرين، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، استحوذت خطابات سلبية على جزءٍ لا بأس به من المشهد العام، رغم ما تحقق من إنجازات تنموية بارزة في مختلف المجالات. السلبيّة سلوكٌ يقوم على التشاؤم والتركيز على الجوانب المظلمة وتضخيم المشكلات، بعكس “الإيجابية” التي تنطلق من التفكير المتفائل ورؤية الجانب المشرق في الأمور. ونحن بلا شكّ نريد أن يتسيّد الخطاب الإيجابي فضاءاتنا العامة، ولكن من دون إفراطٍ يُبعدنا عن الواقعية والتوازن المطلوب.
أتحدث هنا عن نمطٍ من خطابات الترويج الإعلامي التي تتبنّاها بعض المنصات والجهات الرسمية أو الأهلية، حين تروّج لإنجازاتها ومشاريعها وفعالياتها بلغةٍ تغلب عليها المبالغة والتضخيم.
نعم، نريد أن نسمع ونقرأ عن تلك الإنجازات، ولكن بعيدًا عن الأساليب التي تُحوِّل استكمال مشروعٍ خدميٍّ اعتيادي أو نشاطٍ يوميٍّ روتيني إلى “إنجازٍ غير مسبوق”، عبر سردٍ بطوليٍّ لا يتناسب مع حجم الحدث.
لدينا بالفعل إنجازات رائدة ومشاريع طموحة تستحق تسليط الضوء عليها باستراتيجياتٍ إعلامية مدروسة، غير أن الخطأ يكمن في تسويق كل مشروع أو فعالية وكأنها حدثٌ فريد لا مثيل له.
أخشى ما أخشاه من هذا النوع من الخطابات الغارقة في الإيجابية، أن تفقد المشاريع النوعية والبرامج بريقها مع مرور الزمن، بسبب الإسراف في التسويق، خصوصًا حين يترافق ذلك مع تجاهل النواقص أو إنكار الأخطاء، وتجنّب النقاشات المجتمعية التي تُثار حولها.
إننا لا نريد خطابًا سلبيًا يتنكر للواقع وإنجازاته، وفي الوقت نفسه لا نريد إيجابيةً زائفة منفصلة عن حياة الناس. ما نحتاجه هو إيجابية واقعية متوازنة، تعترف بالإنجاز وتواجه التحدي، لتبقى الرسالة الإعلامية صادقة، مقنعة، وقادرة على التأثير في الناس.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية