صندوق الاستثمارات العامة يعزز الطفرة الصناعية السعودية بتوسعات استراتيجية في قطاع التعدين
في مشهد اقتصادي يتغير بوتيرة غير مسبوقة، يقود صندوق الاستثمارات العامة السعودي تحولاً صناعياً عميقاً يرسم ملامح مرحلة جديدة من النهضة الصناعية والتنويع الاقتصادي في المملكة، من خلال استثمارات استراتيجية مكثفة في قطاع التعدين لتأمين سلاسل الإمداد الحيوية وتعزيز استقلالية الاقتصاد الوطني بعيداً عن النفط. فبفضل هذا التوجه، تضاعف عدد المنشآت الصناعية في أقل من عقد، مدفوعاً بجهود برنامج "ندلب" ضمن رؤية السعودية 2030.
ويتجه الصندوق بخطى ثابتة نحو ترسيخ قطاع التعدين كركيزة ثالثة للاقتصاد وتمكين صناعات المستقبل كصناعة السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، عبر شركات وطنية رائدة مثل "معادن" التي تمثل الذراع التنفيذية لتطلعات المملكة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والموارد المستدامة.
تنعكس هذه الاستراتيجية في نمو ملموس، حيث قفز عدد المنشآت الصناعية المسجلة في المملكة من 7,206 منشأة في 2016 إلى 12,589 منشأة بنهاية 2024، وفقاً لتقرير برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب) 2024. ويدعم هذا البرنامج، المنبثق عن رؤية 2030، إطلاق قدرات قطاعي الصناعة والتعدين لزيادة مساهمتهما في الناتج المحلي الإجمالي إلى 15%.
ويعمل صندوق الاستثمارات العامة كمحرك حيوي ضمن هذه المنظومة، مطبقاً منهجية استثمارية بعيدة المدى لتمكين قطاعات استراتيجية واعدة وذات أولوية.
صناعات المستقبل والركيزة الاقتصادية الثالثة
تندرج استراتيجية الصندوق في قطاعي الصناعة والتعدين ضمن إطار أشمل لتمكين القطاعات المستقبلية. ويبرز هنا الهدف الاستراتيجي المتمثل في تأمين استدامة سلاسل إمداد المعادن الأساسية، الضرورية لصناعات مثل الطاقة النظيفة والمتجددة وصناعة السيارات الكهربائية.
يبرز تحويل التعدين إلى "الركيزة الثالثة" للاقتصاد السعودي وتنويعه كهدف نهائي، بالإضافة إلى جعل المملكة قوة عالمية في مجال المواد الحيوية. ولتحقيق ذلك، يركز الصندوق على تطوير سلسلة القيمة الكاملة للقطاع، بدءاً من الاستكشاف في المنبع، ومروراً بالمعالجة اللاحقة والتكرير، وانتهاءً بتصنيع المنتجات النهائية.
"معادن" تقود التنفيذ المحلي بتقنيات عالمية
يعمل الصندوق على إطلاق قدرات القطاع عبر الاستثمار في توسعة قدرات الاستكشاف والتعدين، وأبرز أدواته في ذلك هي حصته في شركة التعدين العربية السعودية (معادن)، التي تعد إحدى أسرع شركات التعدين نمواً في العالم وأكبر شركة تعدين متعددة السلع في الشرق الأوسط.
وقد أبرمت "معادن" سلسلة من الشراكات الاستراتيجية لتعزيز قدراتها:
استحوذت "معادن" على حصة 9.9% في شركة "إيفانهو إلكتريك" الأميركية المتخصصة في تقنيات التنقيب، مقابل 126.5 مليون دولار. يهدف التحالف إلى إطلاق مشروع مشترك لمسح 48,500 كيلومتر مربع من الأراضي السعودية لاكتشاف معادن استراتيجية جديدة (النحاس، النيكل، الذهب، الفضة) لتعزيز سلسلة الإمداد المحلية.
الشراكة في معادن الطاقة
وقعت "معادن" خطاب نوايا غير ملزم مع "أرامكو" لتأسيس مشروع مشترك يركز على المعادن المرتبطة بتحول الطاقة، وبشكل خاص استخراج الليثيوم من الرواسب عالية التركيز وتطوير تقنيات فعالة للاستخلاص المباشر.
الشراكة في المعادن النادرة
تم توقيع اتفاقية غير ملزمة مع شركة (إم بي ماتيريلز) الأميركية، الرائدة في إنتاج المعادن الأرضية النادرة، لاستكشاف فرص إنشاء سلسلة توريد متكاملة لهذه المعادن في المملكة، تشمل الفصل والتكرير وإنتاج المغناطيسات المستخدمة في قطاعات النقل، والطاقة، والروبوتات، والفضاء.
وتعمل "معادن" وفق خطة استراتيجية طموحة تستهدف مضاعفة الأرباح قبل احتساب الفوائد والضرائب والاستهلاك وإهلاك الدين (EBITDA) بمقدار 10 أضعاف بحلول عام 2040، مستندةً إلى 4 ركائز: الاستفادة من موارد المملكة، والتركيز على القيمة، وزيادة الإنتاجية، والريادة في الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG).
تأمين سلاسل الإمداد العالمية عبر "منارة"
لضمان استدامة سلاسل الإمداد من خارج المملكة، أطلق صندوق الاستثمارات العامة بالشراكة مع "معادن" في عام 2023 شركة "منارة المعادن للاستثمار". تعمل هذه الشركة كرائد وطني يهدف للاستحواذ على حصص أقلية في مناجم عالمية لتأمين المعادن الاستراتيجية التي لا تتوفر محلياً أو التي لم يتم استكشافها بعد.
وفي يوليو 2023، نفذت "منارة" أولى صفقاتها الكبرى بتوقيع شراكة استراتيجية للاستحواذ على حصة 10% في شركة "فالي بيس ميتالز" البرازيلية. يتيح هذا الاستثمار لـ "منارة" الوصول إلى سلاسل إمداد عالية الجودة لمواد خام استراتيجية مثل النيكل والنحاس والكوبالت من أصول قائمة في البرازيل وكندا وإندونيسيا، مما يدعم مرونة سلاسل الإمداد العالمية وجهود تحول الطاقة.
الاستدامة والتكنولوجيا: محركات أساسية للقطاع
نظراً للاستهلاك العالي للطاقة في عمليات التعدين، يتم دمج التقنية المتقدمة والاستدامة بشكل أساسي. تستخدم "معادن" الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتعزيز استهداف المناطق ذات الإمكانات الأكبر، كما تستعين بالطاقة الشمسية لتغذية أجزاء كبيرة من احتياجات مناجمها، وتستخدم المياه المعالجة بدلاً من المياه الجوفية.
وترتبط "معادن" بمذكرات تفاهم مع شركات رائدة مثل "أكوا باور" (إحدى شركات محفظة الصندوق) لاستكشاف فرص الطاقة المتجددة في مواقع مشاريعها. يدعم هذا التوجه أهداف "معادن" و"صندوق الاستثمارات العامة" لتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050، وهدف المملكة للوصول إليه بحلول 2060.
من "الصلب الأخضر" إلى الشرايين اللوجستية
يمتد أثر نمو قطاع التعدين إلى قطاعات حيوية أخرى. فاستجابةً لنمو القطاع العقاري وأعمال التشييد، وضماناً لزيادة المحتوى المحلي، وقّع الصندوق في 2023 اتفاقيتين لدمج شركة الحديد والصلب السعودية "حديد" (التابعة لـ "سابك") و"شركة حديد الراجحي"، بهدف إطلاق شركة وطنية رائدة في قطاع الصلب قادرة على تلبية الطلب المحلي والتوسع نحو التصدير.
وفي خطوة نحو "الصلب الأخضر"، أطلق الصندوق وأرامكو مشروعاً مشتركاً مع "باوستيل" الصينية لإنشاء مجمع تصنيع متكامل لألواح الصلب. سيعتمد المجمع على فرن الحديد المختزل المباشر (DRI) المعتمد على الغاز الطبيعي وفرن القوس الكهربائي (EAF)، مما يهدف إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بالأفران العالية التقليدية. بطاقة إنتاجية متوقعة تبلغ 1.5 مليون طن سنوياً، سيسهم المشروع في توطين هذه الصناعة المتقدمة.
ويدعم هذا النظام الصناعي المتنامي قطاع نقل ولوجستيات متطور. فشركة الخطوط الحديدية السعودية "سار" (المملوكة للصندوق)، تدير أطول قطار لنقل المعادن (خاصة الفوسفات) في الشرق الأوسط، يربط مناطق التعدين شمالاً بميناء رأس الخير على الخليج العربي، بقطارات يصل طولها إلى 2.5 كيلومتر وتضم 150 عربة. كما تعزز شبكة الجبيل الداخلية التابعة لـ "سار" كفاءة النقل الصناعي بربطها مدينة الجبيل الصناعية بميناء الجبيل التجاري وميناء الملك فهد الصناعي، مما يرفع من القدرة التنافسية للمملكة.
ويبرز الفوسفات، وهو عنصر أساسي في صناعة الأسمدة، كأحد محاور التركيز الرئيسية نظراً لدوره الحيوي في دعم القطاع الزراعي الذي تتزايد أهميته في المملكة.
وتقود "معادن" و"سابك" المشاريع الأولى للفوسفات في المملكة عبر شركتي "معادن للفوسفات" و"معادن وعد الشمال للفوسفات". وتصل القدرة الإنتاجية لهذه المشاريع مجتمعة إلى 6 ملايين طن سنوياً من منتجات الأسمدة الفوسفاتية الموجهة للأسواق الزراعية العالمية.
ولدفع المملكة نحو قمة السوق، أعلنت "معادن" عن بدء الأعمال الإنشائية في مشروع "الفوسفات 3". ومن المخطط أن يضيف المشروع طاقة إجمالية تصل إلى 3 ملايين طن، وهو ما سيجعل المملكة ثاني أكبر مصدر للفوسفات في العالم فور اكتماله.
وفي خطوة لتعزيز سيطرتها على القطاع، وقّعت "معادن" في عام 2024 اتفاقية للاستحواذ على حصة شركة "موزاييك" البالغة 25% في شركة "معادن وعد الشمال للفوسفات". ويعزز هذا الاستحواذ من مكانة "معادن" الاستراتيجية في قطاع الفوسفات ويدعم قدرتها على تلبية الطلب العالمي بشكل مستدام.
وتشير هذه التحركات إلى أن قطاع التعدين في المملكة مقبل على إنجازات كبيرة في مجال تحفيز النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، والإسهام في توفير فرص العمل ودعم التنوع الاقتصادي. ويستفيد القطاع بشكل مباشر من حوافز مخصصة لجذب المستثمرين الأجانب، إلى جانب تطوير اللوائح الحكومية الهادفة لتطوير بيئة الأعمال وتسريع عمليات استخراج التراخيص، لتتكامل بذلك جميع الجهود نحو تحقيق المستهدفات الاستراتيجية لرؤية السعودية 2030.
