تعرف أشهر سرقات المتاحف في العصر الحديث
في عالمٍ تُمجَّد فيه التحف الفنية وتُحرس كالأسرار المقدسة، تظلّ سرقات المتاحف من أكثر القصص التي تجمع بين الذكاء الإجرامي، والتخطيط المحكم، وسحر الغموض الذي يدهش العالم كل مرة. فخلف الأبواب الحديدية والكاميرات، تحدث أحيانًا حكايات تُشبه الأفلام، لكنها حقيقية تمامًا.
في صيف عام 1911، استيقظت باريس على واحدة من أعجب جرائم القرن. اختفت الموناليزا من جدار متحف اللوفر، ببساطة مذهلة. العامل الإيطالي فينتشينزو بيروجيا، الذي كان يعرف أروقة المتحف كراحة يده، خبّأ اللوحة تحت معطفه وغادر. بعد عامين من المطاردة والتكهّنات، عُثر عليها في فلورنسا، لتعود إلى مكانها وتتحول من لوحة شهيرة إلى أسطورة خالدة صنعتها السرقة نفسها.
مرّت العقود، لتشهد بوسطن في مارس 1990 أكبر سرقة فنية في تاريخ أمريكا. رجلان بزي شرطة دخلا متحف إيزابيلا ستيوارت غاردنر في هدوء الليل، وأقنعا الحراس بأن هناك "بلاغًا طارئًا"، ثم كبّلوهم وسرقا 13 عملًا فنيًا من روائع رامبرانت وفيرمير. بلغت القيمة نصف مليار دولار، ومع ذلك لم يُستعد أي عمل حتى اليوم، فيما تبقى الجدران الفارغة في المتحف تروي صمتًا ثقيلًا عن جريمة لا تزال بلا خاتمة.
وفي أمستردام، تسلّل لصّان إلى متحف فان غوخ عام 2002، عبر السطح، وسرقا لوحتين من أندر أعمال الفنان الهولندي الشهير. استغرقت العملية ثلاث دقائق فقط، لكن استعادتهما استغرقت أربعة عشر عامًا. عُثر عليهما في مخبأ للمافيا الإيطالية قرب نابولي، وكأن الزمن أعادهما بيد العدالة بعد أن أنهى جولته مع الجريمة.
بعدها بعقد، دوّى خبر جديد من روتردام عام 2012، حين اقتحم لصوص متحف كونستهال وسرقوا سبع لوحات لبيكاسو ومونيه وماتيس في أقل من تسعين ثانية. عُثر على اللصوص في رومانيا، لكن مصير اللوحات ظل غامضًا، بعد أن زعمت والدة أحد الجناة أنها أحرقتها في موقد منزلها لإخفاء الأدلة، قبل أن تنفي السلطات القصة لاحقًا. ومع ذلك، بقيت الحقيقة معلّقة كالدخان الذي تركته السرقة في سماء الفن الأوروبي.
وفي 2019، هزّت ألمانيا سرقة غير مسبوقة حين اقتحم مجهولون قصر "القبو الأخضر" في دريسدن وسرقوا جواهر ملكية من القرن الثامن عشر تقدر قيمتها بأكثر من مئة مليون يورو. استخدموا منشارًا لقطع القضبان وأطفأوا الكهرباء قبل أن يفرّوا في الظلام. وبعد ثلاث سنوات، أعيدت معظم القطع، وأُدين أفراد العصابة، لكن الجرح الذي تركته الحادثة في الذاكرة الثقافية الألمانية ظل مفتوحًا.
أما الفصل الأخير، فكان عودًا إلى باريس نفسها. في أكتوبر 2025، اقتحم مجهولون متحف اللوفر مجددًا، ولكن هذه المرة سرقوا ثماني قطع من جواهر التاج الفرنسي من قاعة “غاليري أبولّون”. كانت العملية سريعة، منظمة، أشبه بمشهد من مسلسل “لوبين”، حتى أن الصحافة الفرنسية وصفتها بـ"سرقة القرن الثاني للّوفر". لم تُعلن نتائج التحقيق بعد، لكن المؤكد أن باريس أضافت فصلاً جديدًا إلى سجل الجرائم التي تختلط فيها الفن بالجرأة، والجمال بالخطر.
تتكرر هذه القصص في قاراتٍ مختلفة، لكنها تشترك جميعًا في شيء واحد: أن الجمال دائمًا مهدَّد، وأن الفن، مهما اختفى أو سُرق، يعود ليذكّر العالم بأن قيمته الحقيقية لا تُقاس بالأرقام، بل بالبصمة التي يتركها في الوجدان. فالتاريخ، وإن سُرق، لا يُمكن محوه... لأنه ببساطة لا يُخزَّن في المتاحف فقط، بل في ذاكرة الإنسانية نفسها.
