العدد 6210
الأربعاء 15 أكتوبر 2025
المعادن النادرة... الذهب الجديد
الأربعاء 15 أكتوبر 2025

في الوقت الذي تتصاعد فيه المواجهة التجارية بين الولايات المتحدة والصين بشأن المعادن النادرة، يبدو واضحا أن من لا يملك «احتياطيا استراتيجيا» سيقع ضحية للابتزاز. فقد دعا الاقتصادي المعروف جيريمي سيغل على قناة CNBC إلى أن غياب احتياطي نادر للأرض في الولايات المتحدة هو “فضيحة كبرى” تستدعي تصحيحا سريعا. واشتهر تصريحُه: «من العار أن لا يكون لدينا مخزون استراتيجي من هذه المعادن»، مقارِنا الأمر باحتياطيات النفط الاستراتيجية التي بنتها الدول الكبرى قديما.
الصين تسيطر اليوم على نحو 70 % من التعدين العالمي لهذه العناصر، و90 % من المعالجة، و93 % من إنتاج المغناطيسات والمنتجات النهائية، وهو امتياز يُمكِّنها من التهديد أو الضغط الاقتصادي بتقييد الصادرات أو الترخيص. هذه السيطرة أصبحت أداة بيد بكين في المفاوضات التجارية والتقنية، لاسيما حين تستخدم تصدير المعادن النادرة كوسيلة للضغط ضمن الحرب الأوسع على التكنولوجيا.
في هذا السياق، تلوح أمام دول الخليج فرصة نادرة. فالدول الخليجية تمتلك موقعا جغرافيا وسياسيا مميزا، وهي تملك الإمكانات المالية والاستقرار السياسي الذي يؤهلها للعب دور محوري في الاستراتيجية الجديدة لسلاسل التوريد العالمية. وقد بدأت بالفعل بعض دول الخليج تستثمر في قدرات التصنيع والمعالجة المعدنية. الولايات المتحدة نفسها تعتبر دول الخليج شركاء استراتيجيين محتملين لتطوير “الأمن المعدني” عبر استثمارات تقنية وتحفيز صناعي.
لقد أثبتت دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقدين الأخيرين قدرتها على التحول إلى قوة اقتصادية وسياسية عالمية، بفضل القيادة الحكيمة والرؤية الاستراتيجية التي توازن بين الطاقة التقليدية والتحول نحو الاقتصاد الجديد. هذه الدول لم تعد مجرد مزوّد للطاقة، بل أصبحت مركز ثقل في قرارات الاستقرار الإقليمي، وأسواق المال، والتجارة الدولية. وقد استطاعت قياداتها أن تبني علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، ما يمنحها قدرة فريدة على لعب دور الوسيط والشريك في القضايا الاستراتيجية الحساسة، ومن بينها ملف المعادن النادرة الذي يُعيد تشكيل موازين القوى العالمية.
إذا نجحت دول الخليج في بناء مخزون استراتيجي من المعادن النادرة، أي أن تحتفظ بكميات مخصصة للاستخدام لاحقا في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة، فستكتسب موقعا فاعلا في لعبة النفوذ العالمي. فبدلا من أن تكون مجرد مورّد جغرافي، يمكن أن تتحول إلى محور أساسي في سلسلة التوريد، شريكا لا غنى عنه في زمن التحول الرقمي والحرب التكنولوجية.
لكن الطريق ليس سهلا. يحتاج الأمر إلى استثمارات ضخمة في الاكتشاف، والتنقيب، والمعالجة على أرضها أو بالشراكة مع دول ذات خبرة في هذا المجال. كما أن البيئة التنظيمية، والتمويل، والتعاون الدولي، كلها عوامل حاسمة. والتنافس ليس مع الدول الأخرى فحسب، بل مع قدرة الصين على الاستمرار في استخدام استراتيجيات تسعيرية وإغراق السوق لتجعل المنافسة صعبة.
وهنا يأتي الدور الريادي لدول الخليج. فهي تمتلك اليوم الرؤية، والإمكان، والقيادة القادرة على تحويل هذه التحديات إلى فرص. فكما قادت الخليج إلى مكانة عالمية في أسواق الطاقة، يمكنها أن تكرر التجربة في معادن المستقبل. بناء احتياطي استراتيجي خليجي من المعادن النادرة لن يخدم فقط أمنها الاقتصادي، بل سيجعلها ركيزة أساسية في الاقتصاد العالمي الجديد، لاعبا مؤثرا لا ينتظر الأحداث بل يصنعها. ولتثبت مرة أخرى أن من يملك الرؤية يملك المستقبل.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية