العدد 6168
الأربعاء 03 سبتمبر 2025
بكين والجنوب العالمي: رؤية شي جين بينغ لنظام عالمي جديد
الأربعاء 03 سبتمبر 2025

  في خضم التحولات الدولية المتسارعة، برزت قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي استضافتها بكين هذا العام بقيادة الرئيس الصيني شي جين بينغ كحدث محوري يعكس إعادة رسم ملامح النظام العالمي. شي لم يتعامل مع القمة باعتبارها مجرد اجتماع إقليمي، بل قدّمها منصة عالمية جديدة تسعى لإرساء أسس نظام اقتصادي وأمني أكثر عدلًا، يضع مصالح ما يُسمى بـ”الجنوب العالمي” في مقدمة الأولويات.
لقد جاء خطاب الرئيس الصيني ليؤكد أن منظمة شنغهاي للتعاون ليست مجرد تجمع للتنسيق الأمني أو الاقتصادي، بل مشروع حضاري متكامل يهدف إلى كسر هيمنة القوى التقليدية على القرار الدولي، وفتح المجال أمام الدول النامية لتكون طرفًا فاعلًا في صياغة المستقبل. فالصين، باعتبارها القوة الاقتصادية الثانية في العالم وصاحبة نفوذ متنامٍ، تعرض نفسها بوصفها شريكًا مسؤولًا يسعى لتقاسم فرص النمو لا احتكارها.
في المجال الأمني، طرح شي جين بينغ ما وصفه بـ”المفهوم الجديد للأمن المشترك”، الذي يقوم على احترام سيادة الدول ورفض التدخلات الخارجية، إضافة إلى تعزيز التعاون في مواجهة التحديات العابرة للحدود مثل الإرهاب، والجريمة المنظمة، والأمن السيبراني. الرسالة هنا واضحة: بكين تريد بناء شبكة أمنية بديلة عن تلك التي تقودها المؤسسات الغربية، وتؤسس لعالم متعدد الأقطاب يعكس توازنات أكثر إنصافًا.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد عرضت الصين مجموعة من المبادرات الملموسة لأعضاء المنظمة، تتجاوز الاستثمارات والبنية التحتية إلى مجالات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا الخضراء، والاقتصاد الرقمي. شي شدد على أن “الثورة التكنولوجية يجب ألا تكون حكرًا على قلة من الدول المتقدمة”، بل حقًّا مشتركًا يتيح لدول الجنوب العالمي اللحاق بركب التقدم. وفي هذا السياق، أعلنت بكين عن برامج تعاون لتطوير القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي وتدريب الكوادر، إضافة إلى تمويل مشاريع رقمية عابرة للحدود.
القمة لم تخلُ من رسائل سياسية ذات دلالات استراتيجية. إذ بدت دعوة الصين لتعزيز “التكامل بين الجنوب العالمي” وكأنها تحدٍ مباشر للنظام القائم الذي يضع الدول النامية في موقع التابع. بكين تسعى لتقديم بديل يقوم على الشراكة لا الوصاية، وعلى التعاون لا الإملاءات. هذا التوجه يجد صدى لدى كثير من العواصم الآسيوية والإفريقية واللاتينية، التي ترى في الصين فرصة لتحقيق توازن أكبر في العلاقات الدولية. اللافت أن هذه الرؤية لا تتوقف عند المستوى الخطابي، بل تقترن بخطوات عملية تعكس جدية المشروع الصيني. فمن خلال مبادرة “الحزام والطريق” إلى إطلاق منصات تمويلية بديلة للبنك الدولي وصندوق النقد، مرورًا بعروض التكنولوجيا المتقدمة في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، تضع بكين أدوات ملموسة في أيدي شركائها. هذه المبادرات ليست مجرد وعود، بل أدوات تعكس استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى ترسيخ مكانة الصين كقائد اقتصادي عالمي قادر على صياغة المستقبل مع شركائه في الجنوب. ومع ذلك، فإن الصعود الصيني يحمل معه أيضًا جملة من المخاطر. فهناك من يرى أن توسع بكين قد يتحول إلى نوع جديد من الاعتماد الاقتصادي المفرط، حيث تغرق بعض الدول في ديون ثقيلة نتيجة القروض والاستثمارات الصينية. كما يثير توسع نفوذ التكنولوجيا الصينية مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني وحماية البيانات، إضافة إلى التساؤلات حول مدى التزام الصين بالمعايير البيئية والشفافية. وبذلك، فإن ما يُقدَّم كفرصة تاريخية قد يتحول إلى تحدٍ صعب إذا لم يُدار بعناية من قبل الشركاء. 
ختامًا، يمكن القول إن قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بكين لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل إعلانًا عن دخول مرحلة جديدة في العلاقات الدولية. مرحلة تسعى فيها الصين إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة بما يخدم تطلعات الجنوب العالمي، ويمنح الدول النامية صوتًا أقوى في مواجهة التحديات العالمية. وبينما يراقب العالم الغربي هذه التحولات بقلق، يبدو أن بكين عازمة على المضي قدمًا في بناء نظام عالمي جديد يتجاوز أحادية القطبية نحو تعددية أكثر توازنًا وإنصافًا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية