تكدس البضائع قرب حاويات القمامة أزمة بيئية وصحية
مبادرات خضراء تُحوّل فائض الخضراوات إلى فرص غذائية للمحتاجين
في مشهد يتكرر يوميًا مع بيع الخضروات والفواكه في الأسواق المركزية، تتكدس كميات كبيرة من المنتجات الزراعية شبه الصالحة للاستهلاك قرب حاويات القمامة، بعضها لا يزال صالحًا للأكل، لكنه يفقد قيمته التجارية بسبب التلف الجزئي أو تغير بسيط في المظهر، ومع تراكم هذه الكميات، تتصاعد ظاهرة مثيرة للجدل تتمثل في قيام بعض العمالة الوافدة، خصوصًا من الجنسيات الآسيوية، بجمع هذه المنتجات من الحاويات وإعادة بيعها بشكل غير رسمي في أسواقٍ سوداء أو عبر قنوات بيع غير مرخصة، ما يفتح باب التساؤلات حول الأمن الغذائي، والصحة العامة، وأخلاقيات التعامل مع فائض الغذاء.
وتكشف هذه الظاهرة عن أبعاد أعمق تتجاوز مجرد الهدر الغذائي، تتمثل في غياب البدائل الفعالة التي تُمكّن المزارعين والتجار من تصريف الفائض بطرق نظامية، فبدلًا من الاستفادة من هذه الكميات عبر قنوات رسمية كالتبرع المنظم أو التصنيع الغذائي، تُترك لتتعفن أو تقع في يد من يحولها إلى مصدر دخل خارج عن القانون.
هذا المشهد لا يشير فقط إلى خسائر اقتصادية للمزارع والتاجر الذي يعجز عن تصريف بضاعته، بل يكشف أيضًا عن فئة من المستهلكين ذوي الدخل المحدود ممن يلجأون إلى شراء هذه المنتجات من السوق الموازية، رغم عدم ضمان سلامتها.
وتزداد خطورة الأمر رغم وجود رقابة صحية صارمة، إذ يبدو أن هذه الإجراءات لا تردع المتجاوزين بالشكل الكافي، ما يساهم في استمرار تداول هذه المنتجات خارج الأطر الرسمية، وهو ما يجعل من الظاهرة قضية مركبة تتشابك فيها الأبعاد الاقتصادية والصحية والاجتماعية، وتتطلب تدخلًا فعّالًا من الجهات المعنية لإعادة تنظيم مسار الفائض الغذائي، وضمان استغلاله بطرق آمنة ومنظمة تحمي الصحة العامة وتصون كرامة المحتاج.
وفي هذا الإطار، أوضح تاجر الخضروات والفواكه رضا البستاني أن المزارعين عادة ما يتخلصون من الخضروات غير الصالحة للاستهلاك باستخدام الكبّاسات المخصصة التي تضعها البلدية لذلك الغرض، مؤكدًا أن الكميات الكبيرة تُنقل غالبًا إلى مواقع تصريف خاصة في منطقة عسكر.
وأضاف البستاني: “في بعض الحالات، هناك من يأخذ بعض الخضروات مثل الخس أو الملفوف لإطعام الحيوانات الأليفة، بشرط ألا تكون تالفة كليًا، بل يختارون الصالح منها”.
وعن ظاهرة قيام بعض العمالة الآسيوية بجمع المنتجات التالفة وشبه التالفة من الحاويات وإعادة بيعها في السوق الموازية، أشار البستاني إلى أنه من الصعب على المزارعين تتبع أو رصد مثل هذه الممارسات، وقال: “نحن نقوم بدورنا ونتخلص من البضاعة كما هو مطلوب، وما يحدث بعد ذلك يتم من دون علمنا. الجهات المختصة، مثل البلدية، هي المعنية بمتابعة هذه السلوكيات”.
وأكد أن المشكلة تتعلق أولًا وأخيرًا بوعي المستهلك، مشيرًا إلى أن البعض يفضل شراء المنتجات من مصادر غير موثوقة لمجرد أنها أرخص، رغم توفر بدائل آمنة ونظيفة من المحلات الرسمية التي تمتلك سجلات تجارية وتخضع للرقابة، لافتا إلى ان : “الناس تشتكي من البضاعة التالفة، لكنهم هم من يشترونها من الشارع، ثم يلومون المحلات الملتزمة”.
وأشار إلى أن الخضروات والفواكه تُصنّف كمنتجات “قليلة الأجل” نظرًا لقصر مدة صلاحيتها، مشيرا إلى أن السوق المحلي يستقبل يوميًا أكثر من 30 شاحنة برًا، بالإضافة إلى الإمدادات القادمة عبر الجو والبحر.
واختتم حديثه بالقول إن هذا التوقيت يُعد ذروة موسم الفواكه الصيفية حتى شهر سبتمبر القادم ويشهد زيادة في الإقبال على المنتجات بسبب وفرة الفواكه الصيفية المستوردة، مؤكدًا أن الأسعار حاليًا مستقرة بفضل توازن العرض والطلب، ما يجعلها في متناول مختلف شرائح المستهلكين.
من جهتها، أكدت ليلى محمد جناحي، عضو مجلس الإدارة والأمين المالي في جمعية “حفظ النعمة”، أن الجمعية تعمل على الاستفادة من المواد الغذائية القابلة للاستخدام قبل اقتراب انتهاء صلاحيتها، من خلال التعاون مع عدد من المحلات التجارية والسوق المركزي.
وقالت: “في حال وجود لحوم مجمدة أو مواد غذائية تبقى على صلاحيتها 3 إلى 4 أشهر، نقوم بجمعها وتحضيرها كوجبات مطبوخة في مطبخنا الخيري”.
وأوضحت جناحي أن الجمعية لا توزع المواد الغذائية بشكلها الخام أو التالف، بل تحرص على اختيار الخضروات الصالحة للاستهلاك فقط، ليتم إعدادها وتقديمها للأسر المحتاجة المسجلة لدى الجمعية. مضيفة: “نحن لا نقدم الطعام كما هو، بل نقوم بإعادة تدويره وتحضيره بشكل صحي وآمن، ونوزعه في نفس اليوم لضمان جودته”.
وشددت جناحي على أن الهدف هو تقليل الهدر الغذائي مع الحفاظ على كرامة المستفيد، مشيرة إلى أن عمليات الطهي تتم وفق معايير صحية، بما يضمن سلامة الطعام ويعزز ثقة المجتمع في دور الجمعيات الخيرية في إدارة الفائض الغذائي بشكل إنساني ومسؤول.