العدد 6168
الأربعاء 03 سبتمبر 2025
محمد الماجد أول صحافي بحريني يلتحق بدورات المعهد القومي للصحفيين العرب بالقاهرة
الأربعاء 03 سبتمبر 2025
  • تكريم المنامة لأمير الشعراء إيمان بحريني بالدور الريادي لمصر في الحركة الأدبية

  • إسماعيل ياسين ونجاة الصغيرة وغيرهما زاروا البحرين في العام 1969

 

من الصعب جدًا التحدث عن العلاقات الوطيدة التي تربط بين مملكة البحرين وجمهورية مصر العربية الشقيقة؛ فهي علاقة متميزة ومتفردة، تتجاوز الجوانب السياسية والاقتصادية لتتغلغل في عمق الوجدان الثقافي والفني. فالبحرين ومصر تربطهما علاقة راسخة ومتينة منذ القدم، وحينما نتحدث عن العلاقات الثقافية والفنية، فهي حتمًا علاقة مميزة، لاسيما أن مصر تُعتبر منارة للثقافة والفنون في عالمنا العربي، والجميع نهل من علمها وثقافتها وفنونها.

وليس من اليسير الوقوف على هذا التاريخ الطويل، ولكننا سنستعرض في هذا المقال جوانب مضيئة من العلاقات الثقافية والفنية بين البلدين الشقيقين.

تبدأ هذه العلاقة المتجذرة في التاريخ من لحظات ثقافية استثنائية، تجسدت فيها أسمى معاني التقدير والتبادل الفكري. ففي العام 1927، أهدى النادي الأدبي بالبحرين وحاكمها الشيخ عيسى بن علي آل خليفة نخلة من الذهب تحمل رطبًا من اللؤلؤ إلى الشاعر أحمد شوقي بمناسبة تتويجه بلقب “أمير الشعراء” في القاهرة.

هذه اللفتة الرمزية لم تكن مجرد هدية عابرة، بل كانت تعبيرًا عن إيمان البحرين بالدور الريادي لمصر في الحركة الأدبية العربية، وتقديرًا لمكانة شعرائها الكبار.

لم تقتصر هذه العلاقة على الجوانب الأدبية فحسب، بل امتدت لتشمل الفنون بكل أشكالها. فقد حرص العديد من الفنانين المصريين على حضور البحرين لإحياء الحفلات والمشاركة في الأعياد الوطنية وغيرها من المناسبات.

ومن بين أوائل النجوم الذين زاروا البحرين في العام 1969، كان الفنان إسماعيل ياسين الذي التقى الجماهير في أمسية فنية لا تُنسى، بمشاركة الفنانة الكبيرة نجاة الصغيرة، والفنان محمد عبدالمطلب، والمنولوجست الشهيرة ثريا حلمي.

هذه الأمسيات كانت بمثابة جسور ثقافية تُقرّب الفن المصري الأصيل من الجمهور البحريني، وتُعزز التفاعل الفني بين البلدين.

كما قدمت فرقة تحية كاريوكا مسرحياتها الشهيرة لمدة ثلاثة أيام؛ ما أتاح للجمهور البحريني فرصة الاستمتاع بالفن المسرحي المصري الراقي.

وقد سجل الأديب الكبير والصحافي الراحل محمد الماجد لقاءً صحافيًا مع الفنانة سعاد حسين من فرقة نجيب الريحاني أثناء زيارتها البحرين مطلع السبعينات؛ ما يؤكد عمق التبادل الفني والشخصي بين فناني البلدين.

ولم تقف العلاقات عند الحفلات الفنية فقط، بل شملت أيضًا تبادل الخبرات في المجال الصحافي، ففي العام 1968 شارك الأديب والصحافي البحريني محمد الماجد ممثلًا عن البحرين في دورة تدريبية للصحافيين العرب أوصى بها المؤتمر الثاني للصحفيين العرب الذي أُقيم في القاهرة من 10 إلى 14 فبراير. وقد جاءت هذه الدورة بعد قرار إنشاء معهد قومي للصحافيين العرب بالقاهرة.

وضمت الدورة 40 صحافيًا من مختلف الدول العربية، وكان الماجد أول صحافي بحريني يلتحق بهذه الدورة التي حاضر فيها مجموعة من رواد ورموز الصحافة والثقافة في مصر، منهم إحسان عبدالقدوس، وفكري أباظة، ومحمود أمين العالم، وبطرس غالي، وأمينة السعيد وغيرهم. هذه المشاركة لم تكن مجرد تدريب مهني، بل كانت فرصة ثمينة للتعرف على عمالقة الفكر والثقافة في مصر، وتبادل الرؤى والأفكار حول مستقبل الصحافة العربية.

وإلى جانب هذا، فقد درس العديد من الكتاب والأدباء البحرينيين في مختلف الجامعات المصرية، وكذلك الفنانون والرسامون والموسيقيون والمسرحيون. فمصر كانت ولا تزال قبلة للعلم والمعرفة، والعديد من الأجيال البحرينية نهلت من علومها ومعارفها، وعادت إلى وطنها لتحمل شعلة الثقافة وتساهم في نهضته. هذه الحركة الطلابية خلقت روابط شخصية قوية بين أبناء البلدين؛ ما ساهم في ترسيخ علاقات المحبة والتقدير.

كما تم إصدار العديد من الكتب لمؤلفين بحرينيين عن مصر؛ ما يعكس مدى تأثرهم بالثقافة المصرية وتوثيقهم لها. من هذه الكتب “البحرين في زمن عبدالناصر” للباحث إبراهيم راشد الدوسري، وكتاب “البحرين وتكريم أمير الشعراء” للكاتب والباحث الراحل صقر المعاودة، وكتاب “الإسكندرية في عيون بحرينية” للدكتور عماد يوسف حمزة، وغيرها من الإصدارات التي تُعتبر شهادات حية على عمق العلاقة الثقافية والفنية.

ولو تحدثنا عن الجانب المسرحي والدرامي، فقد كان للفنان المصري حضور ليس بقليل في العديد من الأعمال المسرحية والدرامية البحرينية. فقد شارك الفنان رشوان توفيق ومديحة حمدي في مسلسل “الأوفياء” بالعام 1980، كما شارك الفنان المصري سليمان عيد والفنانة مها أبو عوف في مسلسل “البطران” بالعام 2016، كما شارك الفنان علاء مرسي في مسرحية “الحيالة” التي عرضت في البحرين بالعام 2017، وغيرها من الأعمال التي عززت التبادل الفني وأثرت الساحة الفنية البحرينية. هذه المشاركات الفنية المشتركة لم تكن مجرد تمثيل، بل كانت تجسيدًا للتعاون الفني المثمر، ودمجًا للمواهب والخبرات.

وتتجاوز هذه العلاقات الثقافية والفنية الجانب الرسمي والمهني لتتحول إلى علاقات شخصية حميمية، فالعديد من الأدباء والفنانين من البحرين تربطهم علاقات وطيدة مع إخوانهم في مصر، مبنية على الاحترام المتبادل والمحبة، وهذا ما يجعل العلاقات الثقافية والفنية بين البحرين ومصر لها مقومات خاصة بكل المقاييس.

في الختام، تُعد العلاقات البحرينية المصرية في مجال الثقافة والفنون تاريخًا من المحبة والإخاء، وعلاقة ضاربة في جذور التاريخ. لقد شكلت مصر منارة للعلم والثقافة والفن، واستفادت منها البحرين كثيرًا، ولكنها لم تكن علاقة من طرف واحد، بل كانت دائمًا علاقة تبادل وتكامل، تُعزز الهوية العربية المشتركة، وتُثري المشهد الثقافي والفني في البلدين. هذه العلاقة هي إرث نفيس، يجب المحافظة عليه وتطويره للأجيال القادمة.

 

 كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية