تحدثتُ هاتفياً قبل أيام مع صديق تونسي تعرفتُ عليه في مهرجان المسرح العربي بالمغرب قبل عامين، وعندما سألته عن جديده أجاب: “نحضر لمسرحية “الملك لير” لشكسبير، والجميع منهمك في البروفات”، انتهى حديثنا كأي صديقين كالمعتاد، ولكن السؤال الذي يفترس اللحظة ويُضرم نار الحيرة في الدماغ هو: لماذا لا يزال العالم يعرض مسرحيات شكسبير لغاية اليوم؟ وما سبب عيشها طوال 450 سنة تقريباً؟ وما سر نجاحها في كل بقعة من العالم؟
بل والأهم: لماذا أصبحت شخصيات شكسبير، كهاملت والملك لير وعطيل وماكبث، شخصيات قريبة من الناس حتى ليحسب البعض أنها لا تزال على قيد الحياة؟ بل إن برنارد شو نفسه، في مسرحيته القصيرة التي كتبها ليهزأ بها من شكسبير، قال إن شكسبير كان يغار من هاملت لأن شخصية هاملت أصبحت أكثر شهرة من شخصيته.
والحقيقة أن شكسبير كان قد فهم منذ البداية سر لعبة المسرح، وعرف أن الشعر هو العمود الرئيسي للمسرح، شرط أن يعرف كيف يتخلص من عقدة الخطابية من جهة، ومن التجريد من جهة ثانية. وعرف أن الحب والحزن والموت واليأس والجريمة الموضوعات الرئيسية التي يطير المسرح بأجنحتها، وهي الزيت الذي يضيء في قنديله. فالحب أكثر خلوداً من النقمة والغضب؛ إن مسرح الغضب لا يُعمّر طويلاً وإن كان يثير لدى ظهوره ضجة كبرى.
إن الدارس لأعمال شكسبير الضخمة يدرك أنها أصدق النماذج التي خلفها التراث الإنساني تعبيراً عن نبض المجتمعات قاطبة في عصورها المختلفة، عن مخاوفها وآمالها، عن رغباتها وطموحها. بعبارة موجزة: تعبيراً صادقاً عن الوجدان الجماعي.