بالأمس كان معنا، بل كان منذ ساعات قليلة يعيش ويتحرك ويتكلم ويضحك.. وها هو ذا قد انتهى. ما الذي خلّف على هذه الأرض من ذكرى؟ ستمحى ذكراه من أذهان الناس بعد أيام، بل إنه انتهى حتى قبل أن يُدفن.
ولكن موت الأديب والكاتب صاحب الرسالة والإرث يُفترض أن يمتد من الأزل إلى الأبد. لا ينبغي أن تتلاشى أعماله بعد رحيله، بل يجب أن يضيء أبناؤه أو أقاربه الشمعة؛ لأن في ذلك سر البقاء. وفي نطاق هذا العرفان، يلتقي الجميع لإحياء ذكراه وجمع ما نُشر من إنتاجه وما لم يُنشر، حتى يزداد عدد المنتفعين والدارسين لأدب هذا المبدع الفنان، والواهب بلا منَّة. حسبه أن يبعث بشذاه وأريجه، ولا يرى مردوده الوحيد إلا فيما ينفع الناس، ويروح عليهم، ويبعث فيهم عبق النشوة ولذة الإبهار.
من واجب أبناء الأديب والمبدع والفنان الذي يرحل إظهار إنجازه وإبرازه، وذلك أقل ما يفي به الأبناء لوالدهم. فكم من أديب اختفت نغمة إبداعه الفريدة بمجرد موته وغيابه تحت التراب! وبقي نتاجه مركونًا مستسلمًا لغبار المنازل، وغائبًا في طاحونة النسيان. كم من رواية وديوان شعر ودراسات وغيرها من صنوف الإبداع والأشكال الفنية تظمأ إلى الحياة من جديد عبر إعادة طباعتها وتوزيعها على يد الأبناء على أوسع نطاق.
لو لم أُعِد طباعة رواية والدنا محمد الماجد رحمه الله “كتابات عاشق على رمال الشواطئ”، لما عرفها الجيل الحالي. ولو لم أجمع معظم مقالاته في كتاب “محمد الماجد.. القلم المتوحش الأليف”، لانتهت الحكاية، وارتخت الأجفان، وأغمضت الأعين.