العدد 6148
الخميس 14 أغسطس 2025
من يمتلك الخلطة السحرية لسعادة الإنسان؟ تفكيك فلسفي سيكولوجي
الخميس 14 أغسطس 2025

في الليالي المظلمة من عذاب الإنسانية، وترى الإنسان تتقاذفه أمواج الحياة، وبين أسماك القرش وقهر القدر ووحوش البشر، يفكر هذا الإنسان في النجاة. وهناك، في “سفينة الفلسفة”، لكلٍّ رؤيته لإنقاذ هذا الغريق بآلامٍ في الحياة، وهي كثر، بعضٌ من جرح الحب، أو من سكينة الأخ المغروسة في الخاصرة، أو من وحش الفقر، ومن فراغ الغِنى... وكما قال الشاعر: كل من في الأرض يشكو حظَّهُ ليتَ شعري، هذه الدنيا لمن؟ ويظل هذا الإنسان الضعيف يسأل: أين النجاة؟ ومن يمتلك طوق النجاة الحقيقي لهذا الإنسان المُدمَّر والمقهور والمُهَمَّش والمُحطَّم داخليًّا؟ على السفينة فلاسفةٌ يريدون تقليل الوجع، ولكن من منهم عنده الإجابة عن السؤال الوجودي: أين يكمن اطمئنان الإنسان؟ ومن يمتلك الحل؟ هل هو عند سقراط في التأمل الذاتي القائم على سؤال: (اعرف نفسك)؟ وهل معرفة النفس طريق للسعادة أم غير كافية؟ أم نظرية أفلاطون في طرحه لعالم الأفكار المثالية كحقيقة عليا؟ وللأسف، مثالية أفلاطون خارجة عن إطار الطبيعة البشرية القائمة على الانقلاب حتى على المبادئ إذا تعارضت قيمه مع نظام مصالحه، فتجد الأبناء “الطيبون” يتحولون إلى وحوش ساعة توزيع الورث والمال. أم في رؤية بوذا الذي ترك الرفاهية وسكن الكوخ طريقًا للتحرر من المعاناة عبر النيرفانا (الطمأنينة المطلقة)؟ وأختلف مع بوذا، فهل لا بد أن يعيش الإنسان في كوخ ليعرف الله؟ ما أجمل أن يعرف الإنسان الله من نعمه ورفاهيته والاستمتاع بالحياة، فما هو مهم أن لا يملكك الشيء، أن لا تصبح مهووسًا به، أكان مالًا أو حبًّا أو أي شيء. أم في ماركوس أوريليوس بطرحه مدرسة – الرواقية القائمة على: قبول ما لا يمكن تغييره؟ والمدرسة الرواقية تحل جزءًا من ألم الإنسان، فبعض شقاء الإنسان عندما يسعى لتمثيل “سيارة الإسعاف” للعالم، وتمثيل دور المنقذ وبطل الضرورة حيث يُصاب بـ “متلازمة المساعد”، هذا ليس كرمًا، بل هذا اضطراب وضياع لحب الذات. أم السعادة في مدرسة أبيقور في فلسفة الحياة، في التعاطي مع اللذة باعتدال كطريق للسعادة؟ أم هي سعادة جان جاك روسو في دعوته للعودة للطبيعة والبراءة الأصلية؟ وماذا لو عدنا للطبيعة، فهل تكتمل السعادة؟ هذا ليس حلًّا. 

أم رينيه ديكارت في دعوته بفكرة اليقين الداخلي: “أنا أفكر إذن أنا موجود” وهذا ليس حلًّا، فأغلب الفلاسفة يفكرون، لكنهم الأكثر ألمًا وشقاءً. أم إيمانويل كانط في دعوته للعقل العملي والواجب الأخلاقي؟ وأنا أرى الأخلاق وحدها غير كافية للسعادة، فقد يكون الإنسان ملتزمًا بالأخلاق لكن تفتك به الأمراض، ولا يعرف التعاطي مع الغربة الاجتماعية، أو لا يمتلك مالًا يكفيه قهر الحياة وحاجة الناس، فهل هو سعيد؟ أم فريدريك نيتشه عبر ترسيخه “الإرادة إلى القوة” وتحقيق الذات في نظرية الإنسان الخارق؟ هتلر كان إنسانًا خارقًا، وفي الأخير وصل إلى درجة “العار”، والتي هي عشرة من ألف في سلم الوعي عند ديفيد هاوكنز، وانتحر، فهل القوة دائمًا تمثل سعادة؟ أم هو سينيكا في تقبل الفناء والزمن كجزء من الحياة؟ أو طوق النجاة في فكرة توماس الأكويني – الإيمان بالله كطريق للسلام الداخلي؟ وأقول: نعم، الإيمان بالله طريق للسلام الداخلي، لكن لا بد أن تُكمله الأخلاق والقيم الكونية، وحب الله من حب ما خلقه من جمال لتكتمل السعادة. أو لعلها عند جان بول سارتر في الحرية والمسؤولية الشخصية؟ أم عند هيجل في التطور التاريخي للروح والوعي؟ أم عند أكبر فيلسوف نظّر للموت، وهو مارتن هايدغر في تفسيره العميق بأن الفهم الواضح والحقيقي للوجود والموت طريق لتحقيق الذات؟ أم تفسيرات أكبر عالم نفسي أجده يُزاحم فرويد، وهو كارل يونغ الذي دعا لفهم اللاوعي والأنماط النفسية (الذات)، في قبال سيغموند فرويد الذي ركّز على إدراك الصراعات واللاواعية؟ أم نظرية ماركس؟ أم هي نظرية أرسطو في الفضيلة كوسيلة لتحقيق السعادة، وما أسماه (الاعتدال الذهبي)؟ وأنا أميل إلى أن الاعتدال في كل شيء هو طريق السعادة دينًا ودنيا وحبًّا ومالًا ومنصبًا وكوكتيل حياة. لعل أرسطو الأقرب، لكنه لم يفصّل كثيرًا في معنى “الاعتدال الذهبي”. السعادة – في نظري – في نظرية ما أسميته: كوكتيل الحياة العقلي والروحي والجسدي والثقافي والمالي والمجتمعي. وسأفصّل ذلك في آخر حلقة من البحث، وسأرد على بقية النظريات لاحقًا. من من كل هؤلاء يمتلك الخلطة السحرية لإعطاء أفضل خلطة للسعادة؟ أو على الأقل تقليل الألم؟ ويجعل الفقير والغني، والعاشق البائس، والمشهور الذي يتناول المهدئات خلف الكاميرا، يجعل هؤلاء جميعًا سعداء؟ اقترب بعض هؤلاء من السعادة، والأغلب مات بائسًا، فأين إذن الحل؟ هل عند الليبرالية، وهي أنواع؛ منها الوسطية ومنها الليبرالية المتطرفة؟ هل هي عند رجل الدين، ورجل الدين لم يقدم حضارية الدين في التسامح وحب الحياة والرحمة بقدر ما نغّص على الناس بتطرفه ووسواسه، بحيث أصبح يحرّم ما لم يحرّمه الدين؟ فبعض هؤلاء لم يُوفّقوا لإعطاء الصورة الجميلة للدين، فحولوه إلى بُعبُعٍ مخيف بدلًا من أن يكون متسامحًا رحبًا يركز على السعادة. ففرق بين المتدين الوسطي السعيد، والمتدين المتطرف الكئيب. فالأول قابع في الخرافة، ومتطرف تجاه المرأة، وقامع للرأي الآخر، ويكره الأديان الأخرى، ويكره الفن والموسيقى والأناقة، والاطلاع على الحضارات، ومهووس بالطهارة والنجاسة، وكل خطاباته عن الجزء السفلي للإنسان، مُبعِدًا للعقل والتفكير، وساذج سياسيًّا. في حين المتدين الوسطي السعيد تراه عكس ذلك تمامًا، مؤدٍّ للعبادات، قريب من ربه، يخاف ربه في أخيه، محبٌّ للحياة، جميل، ذكي، أنيق، حكيم في السياسة، منفتح على الحضارات، غير متوتر تجاه المرأة، ولا يدعي الحقيقة المطلقة؛ ذلك لأن الخرافة الدينية تزيد الإنسان بؤسًا، وعقلنة الحياة بمادية صرفة و”ليبرالية متطرفة” تجعل الإنسان يموت ببطء. يقول السيد المسيح عليه السلام في إنجيل متى 7: 16: “من ثمارهم تعرفونهم” فهل حركة الإخوان لحسن البنا جلبت السعادة للبشرية؟ هل الثورة الإيرانية أعطت خلطة سحرية للسعادة عبر ولاية الفقيه للشيعة، أم كرّست خرافات هي بعيدة حتى عن منهج أهل البيت عليهم السلام؟ فهل تجد الإيراني أسعد إنسان على الكرة الأرضية، أم جلبت له المحارق والموت والسجن والقبر والمنفى؟ النهايات هي بنت البدايات، ولاحظ الثمار: ضياع في ضياع. هل السنوار جلب السعادة لغزة؟ وهل حزب الله بفكرة “جبهة الإسناد” أسعد الجنوب؟ وهل التمرد على الدولة اللبنانية الآن طريقٌ لسعادة الجنوب، أم مزيد من الكوارث والأوجاع والضياع؟ وهل جمال عبدالناصر جلب السعادة لمصر بالقومية العربية؟ أو القذافي بالكتاب الأخضر جلبها لليبيا؟ وهل عبدالكريم قاسم أعطى الخلطة السحرية لسعادة العراق بإنهاء الحكم الملكي؟ وكذلك: ماذا قدّم بعث العراق أو بعث سوريا من سعادة؟ … إلخ. إذن ما هو الحل لبؤس الإنسان؟ وهل ثمّة محطات في الحياة وخلطات تمنع عنه الهروب من جرح داخلي تشكّل جراء نظرية سببت له أزمة هوية سياسية، أو أزمة تولدت من داخل أسرته بالداخل قبل الخارج؟ تشكّلت بريشة أب قاسٍ، حفرها كلمات بسكين على لوحة قلب طفل بريء، عمّقت جرحًا غائرًا لا يستطيع هذا الطفل، وقد بلغ الثلاثين، محوه؟ أو طفلة ضاعت وسط موج الحياة، ضحية أمٍّ نرجسية، ذبحت داخل طفلتها أجمل ما فيها؟ نحن كومة آلام، لكن بإمكاننا التجاوز والقبول والوصول للسعادة، ولكن بالوصول إلى خلطة سعادة مركبة، ومنتقاة بأجمل ما في كل هؤلاء من نظريات وقيم وإنسانية وتسامح وجمال. لا بد من الإيمان أن الألم جزء من الوجود، فمهما كنت سعيدًا سيكون هناك ألم – ولو صغيرًا – في الحياة، لكن الأهم أن تعمل على تقليله؛ وذلك بصناعة واقع أكثر متعة، بأقل ألم. وحقيقة أخرى، إن الاطمئنان الحقيقي ليس غياب الألم أو انتهاء الصعوبات، بل هو القدرة على العيش وسط العاصفة دون أن تنكسر النفس. دع القدر يطلق عليك الرصاص، ولكن المهم هو أن لا تنكسر. قد تُطعن في علاقة عاطفية، قد يخطف القدر صديقًا عزيزًا، قد يتركك في العراء من هو أقرب الناس إليك، لكن القوة تكمن في أن تواصل الطريق، وتحفر في جدار اليأس ليأتي بصيص أمل. فجزء من السعادة: تخفيف الألم. وكيف تخفف ألمك؟ أولًا: الامتلاء الذاتي. فالامتلاء الذاتي طريق النجاة، ومعنى الاكتفاء بالذات: كسر قيودك ولو كانت من ماس. يقول لاوتسي: “من يعرف الاكتفاء، يملك الغنى الأبدي” ثانيًا: الوعي باللحظة. يقول إيكهارت عن “الوعي باللحظة”: “الآن هو كل ما تملكه حقًا” بمعنى: أنت تملك ما تعيشه وتستخدمه الآن، الآن، في هذه الثواني، فقط وفقط. فإذا كنت تأكل على طاولة، وبجوارك قنينة ماء، فكل ما تملكه في هذه اللحظة: الأكل والطاولة وقنينة الماء. ثالثًا: عدم التعلق المرضي بالأشياء. تملكها، لا تملكك، وامتلكها مع طمأنينة، لا قلق. فمهما امتلكت من مال وشهرة وحب ومنصب، لن تكتمل هذه الجواهر حتى يكون هناك اطمئنان داخلي، وتصالح مع النفس، وإلا تتحول الأشياء إلى مزيد من الألم والفراغ والخواء. قف أمام المرآة وقل: أنا أريد أن أمتلك المال والحب والمنصب، وأيضًا السكينة والاطمئنان والسلام الداخلي. فهل يمكن الجمع؟ نعم، بإمكانك أن تمتلك الحياة، شريطة أن لا تملكك. وما أجمل الوفرة مع الطمأنينة، وما أجمل الفخامة مع السكينة، والرفاهية مع السلام. وإذا كان هناك وفرة بلا سلام، تصبح الوفرة حفرة وسط نار. والسؤال: أين تكمن السعادة؟ هذا ما سنناقشه... 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية