العدد 6141
الخميس 07 أغسطس 2025
التشبع الخاوي.. سيكولوجية فراغ الامتلاء للنفس البشرية
الخميس 07 أغسطس 2025

ما أسوأ أن تنظر في المرآة فترى جثة تمشي بثياب أنيقة، أن تمضي في الحياة بقدمين من حنين، وقلب بلا جذور، أن تبتسم للعدسة بينما داخلك يتآكل، مثل الممثل الأمريكي روبين ويليامز الذي أضحك العالم وقلبه كومة اكتئاب، أو مايكل جاكسون الذي عشقته الملايين، لكنه مات وحيدا. أن تقول للناس “أنا بخير” بينما تتمنى أن يبتلعك الظلّ، كما هو حال الطاهي العالمي أنتوني بوردين، فقد كان يمتلك الوسامة والمال والشهرة والنجاح، لكنه انتحر في غرفة الفندق.
أنتوني، الطاهي الذي تذوّق العالم.. ولم يتذوّق السكينة. زار القارات، أكل من صحون الثقافات، تحدّث عن الحياة كأنها رحلة شغف.. لكنّه مات مكتئبا، كأن كل نكهة جربها لم تُشبع روحه. ذلك هو الموت الذي لا يُسجّل في شهادة وفاة، إنه الحريق الهادئ.. الذي لا يشتعل، ولا يُطفأ، ولا يُرى، كما عاشته الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث (1932 - 1963) التي كانت تعاني إحساسا بالوحدة والخذلان بعد الانفصال عن زوجها. وهنا تكمن خطورة الحب عندما يتحوّل الانفصال إلى هوية حزن على شكل رصاصة. والحقيقة، كل ثقب قلبي يحتاج إلى امتلاء بالله وكوكتيل الحياة. في هذا العالم المصنوع من زجاج الواجهات، وخراب الأرواح، لم تعد السعادة مقصدا، بل قناعا بملامح “فلتر”، يُلبس على وجه الاحتراق.
في عصر التجميل، لم يعد أحد يعترف بأن “الجرح قبيح”. صرنا نبحث عن مكياج للألم، وعن “إضاءة جيدة” للحزن، وعن موسيقى تصويرية لانهياراتنا، كما حدث لأسطورة هوليوود مارلين مونرو، التي قالت عن نفسها: “أنا مجرد فتاة صغيرة في عالم كبير أحاول العثور على شخص يحبها”. كل الشهرة والجمال والمال لم تأتِ لها بقلب يحبها بإخلاص. لكن الجرح الذي لا يُكشف.. يتحوّل إلى سكين، كما هو المفكر الأمريكي ديفيد فوستر والاس (1962 - 2008)، الذي مات بسبب قلقه الوجودي؛ فالثقافة إذا لم تتصالح مع الواقع، تقود إلى غربة انتماء وجغرافيا قد تحيل صاحبها إلى موت بطيء. فقد عاش فوستر حالة تناقض داخلي مرهق بين العبقرية والواقع اليومي الباهت، فتحوّل الكتاب إلى مقصلة ابتلعت العقل والحروف وصاحبها. أخطر الأوجاع هي التي لا تستحق عذرا طبيا.. لا حرارة في الجسد، ولا نزيف في الجلد، لكنك تنزف “معنى”، وتتقيأ “اللاشعور”، وتذبل دون أن يراك أحد.
“النفس البشرية لا تسقط فجأة، بل تُفرّغ من الداخل، كما تُفرغ الكأس قطرة قطرة”. لذلك، عليك أن تصنع عيادة نفسية بداخلك لتعالج نفسك من ألم الواقع وصدمات قاسية من أمّ قاسية اسمها الحياة. نعم، هناك موتٌ بطيء يتم تحت إضاءة شموع رومانسية، وتُرفع له كؤوس الرفاهية.. وهناك جنونٌ ناعم لا يرتدي القيد، بل يُخيط لك بدلة من “المثالية”.
هل وقفت مرة أمام المرآة، وتساءلت: لماذا لا أشعر بشيء رغم أن كل شيء يبدو على ما يرام؟ الجواب يكمن في معادلة مقلوبة: ليست الكارثة أن تخسر شيئا، بل أن تمتلك كل شيء دون أن تشعر بشيء. ذلك ما يسميه علماء النفس “الفراغ المعنوي”، وما يسميه الصوفيون “التيه الوجودي”، وما عاشه تولستوي، وهو يكتب على وسادة مجده: “كل شيء باطل”.
لا تيأس، تعرّف على نظريتي “كوكتيل الحياة” التي صغتها كمحاولة لثقافة الحياة قد تنقذك. التشبع الخاوي هو ذلك القبر المزخرف من الخارج، الموحش من الداخل.. ليس نقصا في الامتلاك، بل خيانة في الاتصال الحقيقي مع الذات. يُجامل، يُساير، يبتسم.. بينما داخله يتقشّر كجلد محترق. أشد الجروح هي التي ليس لها ندوب، وليس وراءها كدمات أو بصمة أثر، بل ثقوب في الروح. 

لا تهمل جرحك وتراهن على طبيب اسمه الزمن، بل اسعَ لكشفه، معرفته، آليات علاجه، وسيُشفى بفن إدارة الألم. السكينة ليست دائما سلاما، بل قد تكون كفنا ببطانة حريرية. كي تعيش سعيدا لا بد أن تعيش الحياة بنظرية كوكتيل الحياة: كوكتيل عقلي وقلبي وروحي وبدني ومالي وثقافي ضمن منظومة متكاملة، وإلا سيتسرّب لك الفراغ والخواء والحزن والضياع، ولو امتلكت المال والشهرة والمنصب والحب. الغني لا يسلم من الشبع الخاوي، والفقير لا يسلم من الجوع الخاوي. إننا نعيش عصر التشبع الخاوي، حيث يتكدّس الطعام ولا نأكل، تتزاحم الوجوه ولا نرى، تُسكب علينا المعاني ولا نفهم، تُغدق علينا العاطفة ولا نشعر. هو زمن الامتلاء الزائف، حيث تمتلئ الرفوف، وتفرغ الأرواح.
عندما تعاني صراعات داخلية نفسية، شعورا دائما بالوحدة، وعلاقات سطحية رغم كثرتها، فراغا شخصيا عميقا، وخرابا داخليا وجوديا، وعدم تصالح مع الذات، صراعات هوية وجسد، أرقا دائما.. اعرض نفسيتك على طبيب، فـ “مكينة” سيارتك ليست أولى بالتصليح والاهتمام من نفسيتك.
يجلس في مكتبه الزجاجي، يوقّع صفقات بالملايين، لكنه حين يعود إلى غرفته، يُطفئ الأنوار، ويُشاهد أفلاما قديمة لأنه لا يحتمل صمته الداخلي. كل من حوله يُحسده.. وهو لا يعرف لمن يشكو اختناق “النجاح”، كما هو حال الملياردير الروسي ديمتري بوسوف.
عظماء رحلوا حزينين لأنهم لم يعرفوا جوهر كوكتيل الحياة، مثل الموسيقار الروسي تشايكوفسكي، وجان جينيه، وأوسكار وايلد، وروسو، وبلزاك، والشاعر رامبو، وفان غوخ، ودافنشي، وبيتهوفن. فسكينة العقل والقلب والجسد تقود إلى اطمئنان الروح، وتحافظ على شغف الحياة.
لماذا تكتئب وأنت تمتلك مقومات الفرح؟ فالطمأنينة الداخلية هي التي تمنع الثري من أن تصبح الوفرة فقرا باطنيا. حذار من تناقض تعيشه. تصالح مع وجعك وذاتك، وحارب الحزن، فجوهر التناقض الإنساني بين الامتلاك والانطفاء، بين الوفرة والفراغ. واحذر أن تحب على جوع، قبل امتلاء قلبك بحب الله وحب ذاتك، ففي قاع النفس، تعوي كلاب الجوع إلى الحب، حتى لو أطعمتها المال والمجد والعقل. قبل الحب، ابحث عن معنى سامٍ تعيش لأجله.
يقول دوستويفسكي: “سرّ وجود الإنسان ليس في أن يعيش، بل في أن يجد ما يعيش لأجله”. حتى الألم يشفى إن وجدت له تفسيرا ساميا. فالمعاناة ليست عبثا.. إن منحناها معنى، فالعالم النفسي فرانكل يرى أن أعمق دافع في النفس البشرية ليس اللذة (كما قال فرويد)، ولا السلطة (كما قال أدلر)، بل البحث عن معنى للحياة. حتى في أحلك الظروف، يظل الإنسان قادرا على تحمّل الألم إذا شعر أنه يخدم غاية ما.
يقول نيتشه: “إن من يجد سببا يحيا به، فإن في مقدوره غالبا أن يتحمل في سبيله كل الصعاب بأي وسيلة من الوسائل”. أحد أكبر أوهام هذا العصر أن الإنسان يُقاس بما يملكه. لكن الحقيقة التي تخيف معظم الناس أن الإنسان يُقاس بما يفتقده ولا يعترف به.
وفي المقابل، هناك من عاشوا قمة السعادة والطمأنينة لأنهم تصالحوا مع الألم على أنه جزء من الحياة، وأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، كما قال محمود درويش. وأن السعادة أن تمتلك العالم، ولا شيء يملكك. تفرح بما عندك، ولا تتعلق به لو زال، كما يقول الإمام علي (عليه السلام) في صفات الحكيم مرسِّخا قانون الزوال: “قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ، وَزُهْدُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى”.
وكما هو بوذا، الذي وجد متعة الحياة في الحكمة والفضيلة، وأن السعادة عندما تضبط جبهتك الداخلية دون محاولة التحكم في الكون والخلق، وأن إنهاء المعاناة عبر التخلّي عن التعلّق والرغبات. حتى وصل بوذا إلى “النيرفانا” (السكينة المطلقة). أو في ما طرحه عالم النفس ديفيد هاوكينز، الذي عاش مطمئنا، ومات مطمئنا، وهو ينشر النور في القلوب اليائسة، فقد قسّم البشر في درجات الوعي بين 10 و1000، ووجد أن البشرية 80 % منها يعيش تحت 200، في المنطقة الخطيرة من انخفاض الوعي، فهم يتعذبون تحت الـ 200، والأكثر سعادة واطمئنانا هم من يعيشون التقبّل والرضا والفرح والسلام والتنوير، في ما فوق 200، حتى وصل بعضهم، كما هو غاندي، إلى 700 درجة، أو كالراهبة تريزا التي عاشت سعيدة مطمئنة، حيث وجدت “المعنى” والسمو في دعم الإنسان والإنسانية.
وأقول: والأعظم أن تعيش الحياة منتشيا بكوكتيل الحياة؛ نُبل الروح، وسمو الذات، وإنسانية العقيدة، متمسكا بالله، وتمتلك ما يقيك حاجة الناس، ونجاحا في العمل، بجسد صحي، وبعلاقات صحية غير سامة، وبثقافة متنوعة إنسانية. وعمود كل الكوكتيل هو وجود الله في كل المعادلة، كما هو في فقرة دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة: “إِلهِي ماذا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ؟ وَما الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ؟”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية