يهرب الحبيب من حبيبته، وتهرب الحبيبة من حبيبها، ويهرب الابن من أبيه، والبنت من أمها، ويهرب الأزواج من الأسرة إلى المقاهي. نحن لا نهرب أو نموت من الضربات العنيفة، بل من الاحتياجات التي لم تُلبَّ، من كلمة لم تُقَل، من لمسة لم تأتِ، من نظرة خذلت انتظارًا عمره عمر الحب.
الحب في الأسرة لا ينمو بماء المال، ولا بعقد الألماس، ولا بتخمة الرفاهية، وإنما بعمود ذهبي تقوم عليه خيمة المنزل، وهو وجود المعنى، معنى كبير يتجاوز جمال المبنى. بوجود معنى سامٍ عظيم تتدلى عليه قناديل: قنديل الوفاء، وقنديل الحب بلا شروط، وقنديل الاهتمام والاحترام والانسجام. كم هي البشرية مسكينة في تعب وإرهاق وكدح دائم، نعم نحن المساكين بسكاكين بلا سكينة في وهم السكون.
كل احتياج لا يُلبّى، كل صمت في لحظة كان يجب أن يُقال فيها شيء، ولو كلمة حانية لجبر خاطر مكسور، كل تضحية لم تُقدّر، هي طعنة صغيرة لا تقتل، لكنها تُضعف النبض. ولا شيء يُضعف قلب إنسان أمامك أكثر من تجاهل ساذج أمام شلال دموع إنسان كسير. وفي النهاية، تجد نفسك مع شخص لا يراك، ولا تراه، فتُصبح الحياة بينكما شكلًا بلا روح بيتًا بلا قلب، ففي مادية الرأسمالية المتوحشة، والليبرالية المتطرفة، والأيديولوجية الدينية المتزمتة يضيع الإنسان على مذبح تضخم الفردية والأنانية، وعلى مسلخ قناع الترف، وفوق مقبرة المقدس على شواهد قبور أشبه بصكوك غفران بالية. المال لا يشتري قلبًا، ولا عقد الألماس يصنع المعنى.
يقول ألبير كامو: “لا أحد يدرك كم من الجروح يمكن أن تُحدثها لامبالاة صغيرة”. كلمة حانية تبخل بها على زوجتك، تتراكم مع الإهمال، ومع الزمن تستحيل رصاصة في قلب العلاقة ويحدث الانهيار. الهروب عبارة عن تراكم غروب، غروب حب استحال ظلامًا دون قمر. هنا يهرب الإنسان من الرفاهية إلى كلمة حانية، ولو بعلاقة عابرة تبيع الرومانسية في “سوبرماركت” العلاقات التجارية الموزعة على الجغرافيا. لا تجعل جرحك يتخثر ويتعفن من الحزن والهروب، فالجرح الذي لا يُكشف يتحوّل إلى سكين داخلية تمزق صاحبها. فنحن نهرب من أوجاعنا بدلًا من أن نواجهها. وأغلب من أسميهم بـ “الكادحين المترفين” الذين يعانون “الاحتراق الوظيفي” هم يعانون من وجع داخلي يهربون منه إلى الكدح القاتل في العمل.
ويا لله والقدر ومفارقات الزمان، الطبيب الجراح أولى بالجراحة من المريض، طبيب لا يمتلك ثقافة حياة، يصل عمره إلى السبعين، يقضي عمره في غرفة العمليات أكثر مما يقضيه مع أسرته في اللقاءات والمناسبات، ويعرف عن مرضاه أكثر مما يعرف عن أبنائه، هو هارب من شيء بداخله، إما شبح فقر في الطفولة ما زال يلاحقه، أو مصاب بهوس المثالية “الإنسانية المبطنة”، أو احتراق وظيفي لأنه اختزل كل حياته فقط بمهنة الجراحة، طبيب جراح وهو جريح.
وكم من متدين ساقط في “فخ الطقوس” و “شباك الواجهة الاجتماعية الدينية”، حيث تبتلعه الطقوس الدينية بوسواس قهري ديني ترفضه حتى السماء، ولو نقّبت أعماقه ستجد جذرًا عميقًا بداخله، قد يكون تحايلا على عقدة ذنب من سرقته لأبناء أخيه اليتامى، فهو في اللاوعي يريد رشوة السماء، أو عقد صفقة مع الآخرة.
وكم فقير يُزيَّن له الفقر قناعة، فيهرب من قسوة الواقع بكثرة الإنجاب، والانتقام من شُح المال بتضخم الأولاد عددًا، وبالانتشاء بمخدرات رجال الدين عندما يبيعونه السمك في البحر، وأن “أكثر أهل الجنة من الفقراء”، في حين أن رجل الدين ذاته يكره الفقر، ويزاحم الأغنياء حضورًا بحثًا عن خُمس أو زكاة، ويحارب كل ما لا يستطيع أن يعيش فيه حرًّا ويُنزل عليه فتاوى الإعدام. هو صورة الإنسان الذي لم يتصالح مع ضعفه، فتعاظم حدّ التألّه، ثم صنع من الدين قفصًا ونسي أن الدين كان رسالة تحرير، لا أداة إخضاع.
والثري الحزين يهرب من بؤسه بتضخيم الكماليات، يعيش في سجن مخملي بارد، فيهرب بالبحث عن شيء يميّزه عن البشر، ولو بساعة باهظة الثمن، أو سيارة فارهة بهدير محرك يخرج ضجيجًا مزعجًا ولو أمام “كوفي شوب” راقٍ ليُلفت انتباه الجالسين، ليقول لهم عبر “ego” متضخم: أنا غير عنكم.
يقول نيتشه: “الإنسان دائمًا ما يُخفي حقيقته خلف القناع الأشد صخبًا”. نعم وراء كلّ صخب خارجي، فوضى داخلية لم تجد من يُمسك يدها ويقول لها: أنا أراكِ. التميّز أن يكون اطمئنانك النفسي بقوة محرك “فيراري”، والأجمل أن تمتلك “فيراري”، ونفسية بقوة محركها. فنفسية الثري الحزين كئيبة، حين تصبح الوفرة فقرًا باطنيًا. والأعظم أن تكون غنيًا عظيمًا وباطمئنان نفسي عظيم. فالرفاهية ليست درعًا ضد الاكتئاب إذا كنت تعاني هشاشة نفسية وأعمدة داخلك كانت من وشاح حريري. فالثراء لا يعفي النفس من جوعها الوجودي، بل أحيانًا يُغرقها في تُخمة مادية تُخدّر المعنى، وتكشف عن هشاشة الكينونة.
عندما تتألم تحتاج إلى معنى عظيم في الحياة لتعيش لأجله، شيء سامٍ إنساني كبير يمنحك دفئًا روحيًا. يطرح دوستويفسكي في روايته “الإخوة كارامازوف” على لسان إحدى الشخصيات: “سرّ وجود الإنسان ليس في أن يعيش، بل في أن يجد ما يعيش لأجله”، وأنا أعتقد أن أعظم شيء للسعادة هو الإيمان بالله والعقيدة الإنسانية. يقول دوستويفسكي: “إن لم يكن الله موجودًا، فكل شيء مباح”، والإيمان بالله قرين للإنسانية، فالقلب الممتلئ بالحقد والعنصرية والطائفية فارغ من الله وإن بدا ممتلئًا.
ما نراه من اكتئاب أو ضياع أو انتحار في صفوف بعض الأغنياء ليس ظاهرة غريبة بل أعراض لمرض داخلي اسمه “التشبع الخاوي”. الوفرة توجِد لك كثرة محيطين وقلة مخلصين، لذلك شخص مخلص يكفي عن قارة من الكذابين. فعندما تشبع النفس، تبحث عن الوفاء؛ لذلك البشرية في هروب. الثري، بعد أن امتلك ما كان يحلم به الفقير، لا يجد ما يحلم به. فقد انتهت اللعبة قبل أن تبدأ. لا شيء يُثيره، لا رغبة تشتعل. كل الأبواب مفتوحة لكن لا حاجة للدخول. وهنا تبدأ النفس بالدوران في دائرة “ثم ماذا؟”، فتلد الوحش الأخطر: الفراغ. فنحن نهرب من جروحنا بصناعة جروح في من هم أضعف منا. وهكذا هي قصة الإنسان في عمله في الطابق الأخير من البرج الزجاجي، يجلس المدير التنفيذي، لا كقائد، بل كإله صغير يوزّع المصائر. فهذا المدير الذي يحكم كإلهٍ صغير، هو غالبًا بداخله طفل، لم يسمع كلمة حبّ من أبيه. كلمته لا تُناقش، نظراته تخيف، حضوره يُجمّد الدم في عروق الاجتماعات، لكنه في العمق ليس قويًا كما يبدو، فهو ضعيف داخليًا لسبب بسيط، وهو أن العبودية الداخلية لا تنتج سيادة خارجية. فعادة ما تكون السيطرة تعويضًا عن فوضى داخلية. هو لا يرى فريق العمل كعقولٍ تُكمله، بل كأدوات تُستخدم ثم تُستبدل. لهذا تنشأ بيئة مريضة: الكل يخاف الكل، الكل يصمت أمام الكل، وفي النهاية، الكل يرحل أو يتحوّل إلى ظلّ. كل منا يُخبّئ خلف قناعه جرحًا غائرًا يتحوّل إلى رصاص بندقية.
وكما يختبئ المدير خلف ربطة عنق كمشنقة، يختبئ رجل الدين خلف الجبة، ويختبئ لاعب كرة القدم المحترف خلف صفقة الشراء لسد جوع فقر الولادة أو لصناعة مجد بأكبر صفقة. أما “الفاشينيستا” فتختبئ خلف إيماءات جسد مثخن بالسيليكون وتشظّي الروح الذي يعكس فراغًا روحيًا بسبب بيئة متضخّمة بالفردية، أو فقر حنان من أم، أو قسوة من أب ديكتاتور، أو قمع زوج فارغ من الحنان، فائض بالحرمان. تجدها غنيّة، ناجحة، محبوبة على منصات التواصل لكنها في الداخل، تتقوّس كغصن يابس. كذلك في الحب، فالعبد في الحب لا يمكن أن يكون حرًّا في الكراهية، فالصفر لا يلد المليون. الحب التجاري ينتهي بكساد في تجارة الحب، فعندما تنتهي مهمتك، تنتهي أهميتك، فتقع ضحية حزن كبير، وتقع في ما سماه عالم النفس مارتن سليجمان “العجز المكتسب”، حين علّم كلبًا أنه لا جدوى من المقاومة، فاستسلم الكلب للعجز حتى يوم فُتح له باب القفص. هكذا الجروح والأوجاع تتحوّل إلى أفكار، ثم شعور، ثم أفعال.
الكل يهرب من الكل والنفس البشرية تمتهن الوجع. أصبحنا مشوّهين، فأين تكون النجاة؟ وسفينة الخلاص للحزن البشري، وقسوة الحياة، وألم الواقع؟ ذلك لأننا نحمل جروحًا لم نعالجها، نعاقب بها أحبّتنا. فكم حبيب تحوّل إلى نعش، وكم من ذكريات استحالت إلى طعنات في زمنٍ قليل فيه من عرفوا توازن الروح، وعظمة المعنى، وقدسية الحب، وسمو الإنسانية، فندخل العلاقات كجرحى لا كأحبّة وننزف في حضن الآخر إلى أن يهرب. حتى الفلاسفة في هروب. كل واحد من هؤلاء هرب بطريقته: نيتشه هرب إلى العقل، فالتهمه الجنون، كيركغارد هرب إلى الإيمان، ظنًّا أن حبه لحبيبته خطيئة، فمات حزينًا، شوبنهاور هرب من البشر إلى التشاؤم، فدخل قفص السوداوية، تولستوي هرب من القصر إلى القبر، فمات وحيدًا. إذن أين تكمن السعادة؟
يقول بوذا: “لا يوجد طريق للسعادة السعادة هي الطريق”. وأقول: السعادة في “كوكتيل” الحياة، وفي رئاتها: رئة الروحانية بالعلاقة مع الله، وبترسيخ القيم الكونية، ورئة الثقافة الحضارية، والانفتاح على كل الحضارات وأخذ أجمل ما فيها، ورئة العقل بعيدًا عن الخرافات، ورئة المال والاكتفاء عن الحاجة للبشر، ورئة الحب بلا شروط، دون تعلّق، وبتوازن، ورئة الرياضة والصحة البدنية، ورئة الإنسانية والضمير، وحب البشر دون تفريق بين لون وعرق ودين. كل هذه مجتمعة في “كتالوج” السعادة. إنها ليست في شيء واحد، بل تصبح أعمدة كاملة مجتمعة في حياتك دون إسقاط ركن أو رئة منها: روح تعرف الله، عقل لا يُخدع بالخرافة، جسد يُحرّكه الحب لا الخوف، مال لا يستعبد النفس، ثقافة تُنبت الحكمة، وصداقة صادقة، وشريك بلا شِراك، وحب بلا حرب. هنا تنجو من السكين إلى السكينة، ومن الجحيم إلى النعيم، ومن الرصاص إلى الخلاص، ومن الجحود إلى الخلود.