دعوني أكون صادقًا معكم، وأضع إصبعي في الجرح، وأنا أنزع الفتيل عن أكبر قنبلة فكرية شيعية يُساء استخدامها في كثير من الأماكن، هي ليست موقعًا لا شهادة ولا استشهاد. شعار “هيهات منا الذلة”، و”القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة”، لقد فهمنا النص بشكل خاطئ، ونطبقه بشكل مبتسر، فلسنا نحن الإمام الحسين (ع)، وليس العالم عبيدالله بن زياد... لا تقتلوا النص وتخرجوه من سياقه التاريخي.
“كل يوم كربلاء وكل أرض عاشوراء” هذه مفردة كررتها إيران لتصدير الثورة، اقرأوها بشكل علمي ودقيق دون عاطفة، هل يعني كل أرض نعيش فيها تتحول إلى ساحة حرب ومواجهة وتحدٍّ لمجرد أننا نختلف مع الآخر؟ وهل كل من نختلف معه هو ظالم ونحن أهل الحق؟ أعيدوا قراءة منهج أهل البيت (ع) بشكل علمي لتفهموا جمال فكر أهل البيت. هل يصح كلما اختلفنا مع دولة أو حكومة شرقية أو غربية، عربية أو أجنبية، نضعهم في خانة “الظالمين” بكل بساطة، ونرفع شعارات تاريخية مقتطعة من سياقاتها الموضوعية فنصرخ في وجه من نختلف معه: “هيهات منا الذلة”؟ ومجرد أن يختلف معنا حتى في مسألة فكرية بحتة نصرخ: “ألا لعنة الله على الظالمين”، “القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة”؟ ما الذي استفاده بعض الشيعة من مواجهة العالم، كل العالم، بعنوان الشهادة؟ أين العقل من ذلك؟
يقول الفيلسوف سقراط: عليك أن تمتلك الجرأة في استخدام عقلك! كم من الشباب سقطوا في معارك وهمية، أو لأجل معركة عبثية لصالح دكان سياسي أو مشروع تجاري أو بسبب أوهام غيبية أو نتيجة شعار تاريخي لا يتناسب مع الواقع وهم لا يعلمون؟ مثال: معركة مقتدى الصدر العبثية في مواجهة الأمريكان بداية الألفية؟ وكم في اليمن من ضحايا سقطوا بسبب غباء الحوثيين؟ انظروا إلى ما حدث لجنوب لبنان بسبب خطأ “جبهة الإسناد”! أعيدوا قراءة الواقع بعلم، لهذا أتمنى في لبنان تسليم سلاح حزب الله للدولة اللبنانية، والاندماج في الدولة كي يحفظوا دماء الناس ويتم إعمار لبنان والجنوب مما أصابه من دمار.
أقول: لا تكرر شعارات لا تعرف سياقها التاريخي. عندما تعيش في أمريكا أو أوروبا أو أي دولة عربية، لا يمكن أن تطبق عليها الشعارات الثورية “التاريخانية”، وتُعلِّم شبابًا في عمر الزهور أن الدولة التي يعيشون فيها هي الشر المطلق، وأنت المنهج الحق. ليس كل دولة أو إنسان نختلف معه نواجهه بأقوال تاريخية أو أحاديث مقتطعة ونقوم بتماهٍ إسقاطي سيكولوجي، ونضعه في عنوان الخيانة، وأننا نمثل الحق والحقيقة المطلقة، وبقية العالم متآمر علينا.
هل تعلمون خطورة أن نعلم أبناءنا عبارات مجتزأة، ونكررها عليهم، ونصنع بداخل عقولهم أن الحياة إما أسود أو أبيض، ولا يوجد منطقة رمادية؟ في لندن قبل سنين، كنت أسأل أحدهم في نقاش: لماذا لا تلتزم بقوانين البلد؟ فإذا به بعد توتر ونقاش طويل يقول: هؤلاء الغرب ظلمة، ودعاة عدالة كاذبة، وهم يريدون غزونا ثقافيًا، ونحن نرد عليهم: “ألا وإن الدعي ابن الدعي...” ما دخل “الدعي” هنا؟ و “هيهات منا الذلة” بالدولة؟ هذا جهل قاتل باستخدام عبارات ملقّنة من خطباء يكررونها، وهم لا يعرفون حتى السياق التاريخي لها. الأدهى أن أغلب الخطباء لم يقرؤوا لا كتب التاريخ الأولى (كالطبري، أو المفيد في “الإرشاد”، أو الشيخ الطوسي، أو اليعقوبي، أو “الكامل في التاريخ” لابن الأثير)، ولا يمتلكون أدوات العلوم الأنثروبولوجية في تحليل التاريخ، ويأتون ليبرمجوا عقول أجيال بعبارات قد تتحول إلى قنابل تتفجر بهم وبمستقبلهم. لا تختزلوا التاريخ والمقدس والمعتقد في بندقية. هذا هو سر ضياع إيران.
كان بإمكان إيران أن تصبح أفضل من اليابان، فهي تمتلك حضارة ما قبل أربعة آلاف سنة، وتمتلك موارد طبيعية غنية بالبترول والغاز، وعقولًا، وطبيعة جميلة، وشعبًا يعشق الحياة. لكن الخطأ منذ التأسيس، بدلًا من الاشتغال على تنمية الداخل كاليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية، انشغلت بتصدير الثورة للخارج، و “ضاع المال على الفاضي”.
هذا العناد في دعم المليشيات واختصار أهل البيت في سلاح، ضيّعها وقاد الشيعة إلى محارق لا حصر لها. أول الوعي: التخلص من فخ الانتصار الوهمي، ومن نشوة انتصارات “السوشيال ميديا” الوهمية. ستكررون نفس الأخطاء إذا لم تناقشوا الأحداث بلغة الأرقام، والمنهج الكيفي لا الكمي، وإلا ستكررون نفس أخطاء جمال عبد الناصر، والنكسات في ازدياد، وأنتم ما زلتم تكررون ذات الأخطاء وتنتظرون نتائج مختلفة. بلغة الأرقام ومنهج الكيف لا الكم، “حماس” لم تنتصر، ولبنان لم ينتصر، وإيران لم تنتصر.. النصر لا يكون بالمغيبات، ولا بالأدعية، ولا بالأماني. اسمحوا لي، أنا أُصدمكم بهذه الحقيقة حتى تفيقوا، ويمكنكم إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح ودول وأموال.
قارئ نصوص “شيّال” يمسك الميكروفون ويصرخ بجمع كبير من الأطفال ليرددوا معه: “هيهات منا الذلة”... شيء يدعو للأسى. فبدلًا من أن تُعلِّمهم أهمية الدراسة والتسامح وثقافة الحياة، وأن منهج الإمام الحسين ترسيخ الوحدة الوطنية، تصرخ فيهم بعبارات لا يعرفون دلالتها التاريخية، ومدى خطورة استخدامها في غير موقعها! آن الأوان ليقف مفكرو الشيعة ويصرخوا في هذه المدرسة الثورية العبثية بالتوقف، والرجوع إلى المدرسة الواعية: مدرسة المرجع السيد الخوئي، والمرجع السيد محسن الحكيم، والمرجع فضل الله، الذين كانوا يمثلون العقل في التعاطي مع الفقه والسياسة بلا محارق ومواجهات عبثية.
كان وضع الشيعة أفضل ألف مرة بالمنهج التقليدي العاقل والمدرسة الكلاسيكية التي كانت تتسم بعلاقة العقل والثقة مع الدولة الوطنية. أولاد الشيعة ليسوا مشاريع استشهاد وموت لأجل مشاريع سياسية. دعوهم يعيشون الحياة، ويستمتعوا بالوجود والحضارة. الاستمرار في العناد، وضرب الرأس بالجدار العالمي، سيقود إلى بقائكم وحيدين في العراء السياسي مثل اليتامى. فـ “المنهج الصح” هو الاندماج مع العالم، والتمسك بدولكم الوطنية.
أنا قلبي على الناس، هؤلاء المطحونين في فرّامة اللحم البشري. يقول محمد الماغوط: “يخرج الفقراء باكرًا كي لا يسبقهم إلى العذاب أحد”. هذا الجيل يستحق أن يعيش وينعم بالحياة. الإمام الحسين (ع) صوت العدالة الإنسانية، وخلود للضمير. لكن ما أدعو إليه: افهموا كربلاء الحسين (ع) بشكل صحيح، افهموا أقواله بشكل علمي ومنطقي وواقعي كما هو طرحه. اتركوا ثقافة الارتطام بالجدار، ومواجهة العالم.. آن لكم أن تعيشوا الحياة وثقافة الحياة، وأيضًا بحكمة الإمام الحسين (ع)، بسمو المعنى في سمو الذات.