العدد 6491
الخميس 23 يوليو 2026
ثروة تبحث عن أصحابها
الخميس 23 يوليو 2026

لكل تحول تقني قصة يرويها الجميع، وقصة أخرى لا ينتبه إليها أحد إلا بعد أن تصبح واقعا. ينشغل الناس عادة بالأدوات الجديدة، بينما تتحرك مصادر القوة الحقيقية في اتجاه آخر. حدث ذلك مع الكهرباء، ثم مع الإنترنت، ويبدو أنه يتكرر الآن مع الذكاء الاصطناعي. الضجيج كله يدور حول البرامج التي تكتب الأكواد، وتصمم المواقع، وتبني التطبيقات في دقائق. ومن السهل أن يظن المرء أن هذه هي الثورة بأكملها، بينما لا تمثل في الحقيقة سوى مقدمتها. 
فكل تقنية تنجح في تبسيط مهمة ما، تنتزع منها في الوقت نفسه جزءًا كبيرًا من قيمتها الاقتصادية. 
وما إن تصبح المهارة متاحة للجميع، حتى يبدأ السوق رحلة البحث عن ندرة جديدة.
لهذا السبب، قد لا تكون المسألة الأكثر إثارة في السنوات المقبلة هي سرعة بناء التطبيقات، وإنما سرعة بناء المجتمعات التي تستخدمها. 
البرنامج، مهما بلغت جودته، يظل قطعة صامتة من البرمجيات إلى أن يجد أشخاصًا يثقون به، ويعودون إليه، ويضيف كل واحد منهم مساهمة صغيرة تتراكم مع مساهمات الآخرين حتى تتحول إلى قيمة ضخمة.
تأمل فكرة بسيطة: منصة تجمع بيانات عن ازدحام وسائل النقل العام. آلاف الركاب يرسلون، أثناء تنقلهم اليومي، ملاحظات سريعة عن كثافة الركاب أو تأخر الحافلات أو الأعطال المفاجئة.
 المعلومة الواحدة لا تكاد تُذكر، لكن اجتماع مئات الآلاف منها يصنع صورة دقيقة لحركة مدينة كاملة، وهي صورة قد تعجز عن توفيرها أكثر أنظمة الرصد تكلفة. 
ما يمنح هذه المنصة قيمتها ليس براعة تصميمها، بل قدرتها على إقناع هذا العدد الهائل من الناس بأن مشاركتهم تستحق دقائق معدودة من يومهم.
والفكرة نفسها يمكن أن تمتد إلى قطاعات لا حصر لها. شركات التأمين قد تستفيد من بلاغات فورية عن مخاطر الطرق، والمزارعون من معلومات يتبادلها جيرانهم حول انتشار الآفات، وسلاسل المتاجر من تحديثات لحظية عن توافر السلع وأسعارها في الأسواق. 
في جميع هذه الأمثلة، تتولد القيمة من تفاعل البشر، بينما تبقى التكنولوجيا مجرد الوعاء الذي يحمل هذا التفاعل.
غير أن إدارة هذا النوع من المنظومات ليست مهمة تقنية بالدرجة الأولى. 
فالثقة أصبحت موردا اقتصاديا قائما بذاته. كيف يمكن التأكد من أن البيانات المرسلة صحيحة؟ كيف تُكتشف الصور المفبركة والمعلومات المصطنعة قبل أن تفسد قاعدة البيانات؟ وكيف يحصل المشاركون على مكافآت صغيرة دون أن تلتهمها تكاليف التحويل والإجراءات التقليدية؟ هذه الأسئلة هي التي سترسم حدود المنافسة خلال العقد المقبل.
ولعل المفارقة الأبرز أن الذكاء الاصطناعي، الذي يخشاه كثيرون لأنه يقلص الحاجة إلى بعض المهارات، يرفع في المقابل قيمة مهارات أخرى أكثر إنسانية؛ تصميم الحوافز، وبناء الثقة، وفهم دوافع الناس، وإدارة المجتمعات الرقمية. تلك أمور لا تُختزل في خوارزمية، ولا تُشترى برخصة برنامج.
ربما لهذا تبدو المرحلة المقبلة مختلفة عن كل ما سبقها. فالمعيار الذي ستقاس به الشركات لن يكون عدد المزايا التي أضافتها إلى تطبيقاتها، وإنما قدرتها على تحويل أفراد متفرقين إلى مجتمع متماسك، وملاحظات عابرة إلى معرفة، ومعرفة إلى قرارات، وقرارات إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
وحين تهدأ موجة الانبهار بالذكاء الاصطناعي، سيظهر المشهد بوضوح أكبر. سنكتشف أن أكثر الأصول ندرة لم يكن الكود، ولا الخوارزمية، ولا حتى القدرة الحاسوبية، بل ثقة البشر حين تجتمع في المكان الصحيح. 

* كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية