أخطر ما يصيب الإنسان: حين يطفئه شيء لا يرى. كثيرة هي الأشياء التي تطفئنا ونحن لا نعلم، والأمثلة كثر، فمنها: وهم حب، أو حقيقة مزيفة بمكياج، أو شهرة تحرق خصوصية سعادة، أو منصب على هيئة مشنقة تكسر عنق راحة البال، أو وفرة مال فائض عن الحاجة يتحول إلى فخّ لصراع ورثة جشعين لحرب مؤجلة في انتظار نعش، أو تعاسة مرفهة، أو فقر يظنه صاحبه امتيازا للوصول إلى الجنة، أو طقوس عبارة عن توابيت للحضارة. كلها هروب من ألم داخلي فردي للفرد، أو ألم تاريخي للجماعة.
مرحبا بكم في نادي النفس البشرية الغريبة والمجنونة. أغلب البشر يهربون من أوجاع داخلية غير قادرين على معالجتها، ولا يوجد خلطة سحرية كاملة لسعادة الإنسان، لا من رجل الدين ولا الفيلسوف ولا السياسي.. كلهم لم يقدموا الخلطة السحرية. إنها قصة احتراق الإنسان بحثا عن نهر سعادة.
ثمة احتراق لا يرى، والأخطر عندما تظن الاحتراق ماء زلالا. ليست النار دائما حمراء، ليست القيود دائما من حديد، وليس الحب دائما قبلة؛ فقد تخفي القبلة قنبلة، ولا الدخان شرطا أن يتصاعد من بيتك لتفهم أنك تحترق.
ثمة حريق داخلي، بلا ألسنة، بلا صراخ، بلا إسعاف.. يمشي فيك بأقدام الذكرى، ويحرقك بصمت الشعور المؤجل. هكذا هي قصة الأوجاع الخفية والسجون اللامرئية لدى النفس البشرية؛ لذلك يلتجئ الإنسان نحو الهروب من ألم الداخل لألم بالخارج يظنه أملا، فيكون الألم ألمين.
التاجر الثري يهرب من الوجع الداخلي بتحويل موظفيه إلى عبيد، وشركته إلى زنزانة، والرئيس التنفيذي الذي عاش طيلة عمره فقيرا أو مهمشا يهرب من وجعه بالتفنن في تعذيب من تحته بالصراخ، أو بالهيبة المصطنعة أمام من هم تحته في العمل، أو بالتلاعب بأوراق العلاوات والدرجات وتوزيع المهام، ورجل الدين يهرب من فشله الدراسي الموجع، أو فشله الأسري، أو إخفاقه في مواكبة العصر، باللجوء للهيبة المصطنعة، بالاتكاء على أحاديث تضخّم من نرجسيته وهيبته، أو بالاستقواء بالخرافة، أو بتخويف الناس من التطور خشية نجاحهم وخروجهم من حضرة حضيرته، فتصبح بضاعته بلا مشترين وبلا “برسيم ثقافي”. يحاول الهروب من وجع الشيزوفرينيا “الانفصام” الفاقعة، بين “زهد” الخطاب على المنبر، واشتهاء خفيّ قاتل في الخفاء للدنيا وزبرجها. إنه هروب سيكولوجي فاضح.
لذلك كتب الكواكبي كتابه العظيم “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، عن أن الاستبداد الديني أخطر من أي استبداد، عندما تقتلك سكينة شرعية، أو يطلق عليك رصاص ديني. كثير من الهاربين يعيشون داخل “قصة بطولية كاذبة” أو “مظلومية مزمنة”، المهم ألّا يبقوا في فراغ داخلي، أو تصحّر عاطفي، أو انقطاع عن واجهة اجتماعية مزخرفة تبلسم النقص الداخلي، أو علاقة حب ولو بتعلّق قلق، أو تجنبيّ ولو بحبيب طاغية متماد، المهم علاقة ولو مشوّهة كي تشعره أنه محبوب، وكل ذلك هروبا من ندوب داخلية أو جراح عميقة لم تشف، إمّا بسبب صدمة طفولة مجروحة، أو جراح غائرة من زلزال عاطفي ظنّه الحبيب ملاذا فاكتشفه جلّادا.
يقول دوستويفسكي: “الناس يتلذذون بعذاباتهم أكثر من سعادتهم”. وهذه هي المازوشية في علم النفس: عندما يتماهى الإنسان مع الوجع فيعشق جراحه، ويمرض من الفرح، فيكون الجرح هوية. ما أتعس أن يتحول الجرح إلى هوية. في رواية “الإخوة كارامازوف” لدوستويفسكي، و “الخطاب عن المفتش الكبير”، يتهم الكنيسة بأنها تقدم الخبز مقابل الخنوع؛ لأن البشر يريدون الراحة لا الحقيقة.
الحرية الحقيقية تخيف النفس؛ لأنها تتطلب أن نحيا بلا أعذار. العاشق في هروب، الفلاح في هروب، المغني في هروب، وكذلك الجمهور. الجمهور يهرب من الواقع، ويخاف الحقيقة لأنها تمزّق مخدة الأحلام، فيتطاير ريش الوهم على زيف المقدّس، ويخاف أن تبدّد الحقيقة حشيش الخرافة، وتكسر عمود الانتماء لخيمة الجماعة المتعصبة، وتبدّد حلم الأماني المؤجلة للإيديولوجيا، وهذا محل ابتلاء للبشرية منذ وجد الإنسان. فهل ذلك هروب أم عبثية حياة؟
اختصر الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو، وهو يركّز على عبثية الحياة، قائلا (بتصرف): “نحن نولد دون اختيار، نعيش بحثا عن معنى، نتزوج ظنّا أنه الخلاص، ننجب خوفا من الفراغ، نمتلك كأننا سنبقى، ثم نرحل كما جئنا: حفاة من كل شيء”. إذن ما هو الحل؟ الشفاء يبدأ حين تتوقف عن تجميل جرحك. عندما نضع زينة على الجرح، لن يتزيّن الجرح، بل ستدمي الزينة. فالهروب لا يمنحك سعادة. يعتقد بعض البشر أن لا سعادة في الحياة، فهي ليست معشوقة، بل “مستشفى آلام” نبحث فيه عن من يشبهنا في المرض، وهذا الكون عبارة عن مصحة نفسية يتصارع فيها المرضى النفسيون مع الحمقى المؤدلجين. أو “صيدلية مشاعر” نشتري منها جرعة أمل مقابل تعب سنوي، أو “ملعبا وهميا” نحاول فيه أن نسجّل هدفا اسمه “النجاح”، لعلّنا نقنع أنفسنا أننا لم نخلق عبثا. “فهل نحن حقا نحب الحياة؟ أم نرتبط بها كما يرتبط الجائع بالخبز، والمحتضر بجهاز التنفس؟ هل نحبها؟ أم نداوي بها خوفنا العميق من الموت، ومن اللاجدوى، ومن الفقدان، ومن وجع الطفولة الذي لم نشف منه قط؟”.
هناك موت لا يحتاج إلى تابوت. يكفي أن تدفن في علاقة تستنزفك، في عائلة تشبه سجنا مغطّى بكلمات أرستقراطية أو اشتراكية أو دينية، وهناك موت في وظيفة تذبح روحك بموت بطيء بلا أفق، أو موت في طقوس حزينة تعيد مأساتك كل يوم، وكأنك لا تستحق الشفاء.
في قراءتي لعلم النفس، ومخالطة البشر، اكتشفت في رحلة هروب الإنسان وحروبه، أن أصعب الحروب هي تلك التي يخوضها الإنسان ضد أجزائه المكسورة. يقول الروائي الفرنسي مارسيل بروست: “الذاكرة خيانة كريمة، تعيد لك التفاصيل التي ظننت أنك نجوت منها”. وتقول الكاتبة الأمريكية سيلفيا بلاث: “الاكتئاب ليس حزنا، بل فراغ داخليّ، حفرة سوداء تمتصّ المعنى من كل شيء”. فالأديب الأمريكي إرنست همنغواي كان يهرب من اكتئاب عميق وقلق داخلي لم ينج منه على رغم الجوائز، بالسفر والمغامرة والحب الضائع، فأنهى حياته بالانتحار. هذا النمط من الهروب يسمى نمط “الهروب القوي”، الرجل الذي يواجه الموت يوميا لأنه لا يحتمل الحياة التي بداخله. أليس أكثرنا يعيش “الهروب القوي”؟
أما الأديب الروسي تولستوي، فهرب من البذخ إلى الروحانية، ومن طاولة القمار إلى المقابر، وفي كلا الحالتين كان متطرفا. فبعد مجد أدبي هائل، أصيب بقلق وجودي عميق، جعله يرفض ثروته وأعماله، وراح يعتنق الزهد الديني. فهروبه الروحي لم يكن فقط بحثا عن الله، بل كان هروبا من اللاجدوى ومن عالم لم يعد يحتمله. إنه هروب روحي حين يصبح الدين ملاذا للهروب من الألم لا لمواجهته.
نسي تولستوي أن لا رهبانية في الدين. فما هو الحل إذن؟ سأطرح ما أراه أنا من خلال تعمقي الديني والأنثروبولوجي الفلسفي والسيكولوجي وتجربة الحياة سعادة للإنسان، في حلقات قادمة سأتحدث فيها عن البحث عن معنى للحياة، كما هي نظرية فيكتور فرانكل صاحب كتاب “الإنسان والبحث عن معنى”، وتجربته في فقد عائلته وعذابه في سجون النازية، مضيفا نظرية المدرسة الرواقية عبر فلاسفتها: زينون الرواقي، وسينيكا، وماركوس، وإبكتيتوس، مع عظمة رؤى نظريات الإمام علي (ع) في “نهج البلاغة”، مع نظرية التوازن عند أفلاطون، ومع ما طرحته من كوكتيل حياة، مع نظرية فاديم زيلاند والمعروفة بـ “ترانسيرفينج الواقع”، ومن تخفيض أهمية الأشياء، وسحب الأوراق من يد الباندول، مع نظرية ديفيد هاوكينز في سلم الوعي البشري.. ومع أطروحات بوذا في التطهر الذاتي. خلطت كل هذه النظريات مع وضع تجربتي ورؤيتي للحياة، وأظن أني وصلت إلى جزء كبير من خلطة السعادة التي تجعل الإنسان يعيش حديقة الحياة بأقل ألم. يقول الأبيقوريون: إن السعادة لا تكون بأكبر متعة، بل بأقل ألم. ومع خلط هذه النظرية في السعادة، نضع ناموس السعادة وعمادها المطلق: الإيمان بالله عز وجل، إله الحب والجمال والإنسان.