العدد 6120
الخميس 17 يوليو 2025
أخي عباس.. أيها الراحل نحو الشمس ربيعا
الخميس 17 يوليو 2025

كنت أرى فيه زرقة السماء، ومُزن الغيم، ونغم الموج، وهدوء الشاطئ، ونور الشمس، وتوهج القمر. كان أنيقًا كإيطالي وُلِد في ميلانو، ذكيًّا كذكاء خوارزميات محشورة في الأثير، ومشعًّا كشمس ماربيا، ومتناسقًا كـ “لوركا فيلج”، طيب القلب ككنيسة “ساغرادا فاميليا”، شامخًا كبرج إيفل، وفي قلبه تنام حديقة هولندية. عشت معه تفاصيل حياتي... تضاريس كل حقائب السفر، ورائحة التراب، وقساوة الدرب، وطول الطريق.
ما كان أخي، عباس كان قلبي الذي ينبض، وعيني التي تنظر، وعقلي الذي يقرأ... كان كلي، وهذا الكل الموزع على روح الروح روحًا، وعلى نبض النبض نبضًا، وقلب القلب قلبًا. كنت أرى فيه ملامح أمي كلما اشتقت لرؤيتها، وأقرأ في عينيه صبر أبي. ومنذ الصغر كان مسالمًا كعصفور صغير في زاوية من عش بيت قديم، حنونًا كقلب أم لا تملك إلا وحيدها، ضاحكًا كربيع يضجر من الخريف، وسطيًّا في كل شيء... في قلبه قدّاس بتنهدات درويش، لكنه يصلي بثوب أنيق. يحب السماء، ومتماهٍ مع الأرض. نسق حياة أبنائه كما تنسق امرأة ورد حديقتها، كان يوزع عليهم الحنان كما توزع العصافير الأكل الصباحي على صغارها، وكان حاضرًا في كل تضاريسهم. لا أعلم ماذا أقول، وبأي حرف أتكلم عن زوجته الممتلئ قلبها بصبر زينب ووفاء العباس “لعباس”.
هذه اللبؤة التي منحتك حضورًا وصبرًا ووفاءً، هذه اللوحة الموشاة بروحك المعلقة على جدار قلبك، يوم تنظر للوحة فتعشق الحياة. تذكر زوجتك التي أثثت قلوبنا بعطر ذاكرة الطيبة، وصلابة الموقف، وتنسيق الذكريات، أم فلذات أكبادها المنثورين كقناديل في بيتهم الجميل، يتصفحون القدر بحثًا عن الفارس الذي ترجل عن صهوة جواده في معركة القدر وانقلاب الزمن. هذه الشجرة التي أثمرت أجمل الثمار: فاضل، وكوثر، وضياء، وريم. أخي عباس، إلى من أقرأ تراتيل مقالي كل خميس؟ من أتصفح معه أوراق حياتي، وأسمعه تمتمات الخلود، وأتبادل معه كوكتيل الحياة وأسئلة الوجود؟ أخي عباس، وأنا أودعك الوداع الأخير في صدمة إنكار نفسية من التصديق، كنت أرى في عينيك، وأنت مُسجًى، عبثية الحياة لألبير كامو، وسوداوية شوبنهاور، لكني فجأة رحت أقرأ نهج البلاغة على عتبة الصبر، يوم يلتف الوجع حد الكسر على رقبة الفرح كمشنقة دوستويفسكي تنتظر الإعدام. 
أقرأ عينيك متسائلًا: ما هذه العبثية أن يسقط فرس سليم في معركة الحياة، وهو في كامل قواه، وأناقته، وحريرية صحته؟ كنت أنظر إليك بدمع متأمِّلًا، مترسخ القناعة، أن لا شيء يستحق الحزن للحبيب المفقود سوى أن تشارك ذكراه بقية العمر فرحًا، ولو عناق روح بروح في الأثير، وأن تعيش الحياة ملكًا للحظة دون أن تتكدس بداخل قلبك صناديق الآلام. أخي عباس، سأشركك كل فرحي، سأتقاسم معك كل جمال الوجود وطعم مذاق الحياة. نَم قرير العين يا أبا فاضل، كنت الأخ والحبيب والصديق، وستظل بقلبي النبض، وبعيني الضوء، وبجسدي الروح. ستظل خارطتي التي أسير بها، وأنا أتجول على جغرافيا الكون بحقائبي. ستظل مع كل اللحظات، وأنت تأتي كل جمعة للغداء في بيت أبي، ونلتهم الضحكات، ستأتي كل يوم إلى الملعب لتلعب مع توأم روحك أخي فيصل، وأنتما تشاكسان بعضكما بعضًا في الملعب: من سيفوز؟ ستأتي لأذهب معك إلى مطعم حاجي، ثم نهيم أنا وأنت في أزقة المنامة لنتذكر أبي، وهو يأخذنا صغارًا نتجول في أزقة المنامة لتذوق طعم الماضي الجميل.
أخي عباس، ولن تغيب شمس أنت سماؤها، ولا نورس وأنت ساحله، ولا موج وأنت شاطئه. ستظل في الذاكرة والذّكرى، وأجمل الذكريات: عبق العبق، ومذاق المذاق، وبلسم البلسم، ورائحة الأرض، وابتسامة السماء.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .