العدد 6143
السبت 09 أغسطس 2025
العسل رافد اقتصادي ونقلة نوعية في تصميم المنتج السياحي السعودي
السبت 09 أغسطس 2025

تحوّلت مناحل العسل في المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة إلى ركيزة أساسية في دعم السياحة الريفية المستدامة، مدفوعةً برؤية السعودية 2030. فلم تعد صناعة العسل مقتصرة على الإنتاج الغذائي، بل باتت ترتبط بمجالات حيوية تشمل الأمن الغذائي، وتنمية المناطق الريفية، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الهوية الثقافية للمجتمعات المحلية.

تُقدّر قيمة سوق العسل العالمي بـ 10 مليارات دولار في عام 2023، مع توقعات ببلوغه 14 مليار دولار بحلول 2035، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 3.17 %. أما حصة السعودية من هذا السوق فقد بلغت 59.2 مليون دولار في 2023، ويُتوقع أن تصل إلى 84.7 مليون دولار بحلول 2030، بنمو سنوي مركب يُقدّر بـ 5.2 %، مما يجعل السوق السعودي الأسرع نموًّا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ولكي تضمن المملكة تحقيق اقتصاديات مستدامة لقطاع العسل، سعت إلى تنمية سوق العسل عبر اعتماد خطة ذكية تربط قطاع البيع بالتجزئة بمنتجي العسل المحليين، من خلال التعريف بأنواع العسل المتنوعة ومناطق إنتاجه الغنية، ورفع وعي المستهلك بفوائده الصحية واستخداماته المتعددة في الصناعات الغذائية والطبية والتجميلية.

تُعتبر المهرجانات السنوية، مثل مهرجان جازان للعسل، جزءًا محوريًّا من هذه الاستراتيجية، حيث تم عرض أكثر من 50 طنًّا من العسل وحققت مبيعات تجاوزت 12 مليون ريال سعودي. إلى جانب الأبعاد التجارية، تشكل هذه المهرجانات منصات ثقافية تعزز السرد التراثي حول أنواع العسل وتقاليد إنتاجه، مما يُعمّق الارتباط بين المنتج المحلي والهوية الوطنية والبيئة الطبيعية للمملكة.

أبعاد العسل غير المادية

لا يقتصر العسل على كونه منتجًا غذائيًّا فحسب، بل أصبح يحمل دلالات غير مادية ترتبط بالتراث، والصحة، والتجربة السياحية المتكاملة. وفي هذا السياق، أدمجت المملكة العربية السعودية العسل ضمن تجارب الضيافة الريفية، وجعلت منه عنصرًا مبتكرًا في مسارات السياحة المحلية. تمثل هذه الأبعاد غير المادية نقلة نوعية في تصميم المنتج السياحي السعودي، حيث يتم دمج الممارسات التقليدية مع مفاهيم السياحة المستدامة، بما يعزز قيمة العسل ليس فقط كمنتج، بل كتجربة حية تُجسد الهوية البيئية والثقافية للمملكة.

تجربة سياحية ريفية 

تُعد محافظة رجال ألمع من أبرز الوجهات الجذابة في منطقة عسير، بفضل موقعها على مرتفعات جبال السروات وجوّها اللطيف، الذي يمتاز بالاعتدال نهارًا والانتعاش مساءً، مع احتمالية سقوط أمطار رعدية منتصف الصيف، ما يضفي لمسة ساحرة تعزز من جاذبية السياحة الجبلية الريفية. وسط هذا المشهد الطبيعي الأخّاذ، يبرز “كوخ العسل في رجال ألمع” كأحد أهم المبادرات السياحية الريفية التي تجسّد الهوية الثقافية والبيئية للمنطقة.

يقع الكوخ بين أحضان الجبال، ويقدّم تجربة متكاملة تجمع بين الطبيعة والضيافة وصناعة العسل المحلي. إنه وجهة مثالية للزوّار المحليين والدوليين الباحثين عن تجربة تفاعلية مميزة في عالم النحل، حيث يكتشفون أسرار النحالة، ويتذوقون عسل السدر والطلح، ويندمجون في ورش العمل والأنشطة التراثية في أجواء عسيرية أصيلة.

ضمن جهود تنمية المجتمعات الريفية ودعم الاقتصاد المحلي، وقّعت شركة أرامكو السعودية مذكرة تفاهم مع جمعية مربّي النحل التعاونية في رجال ألمع، بهدف دعم نحو 600 نحّال في المنطقة.

شملت المبادرة توفير خلايا نحل، ومعدات إنتاج حديثة، وبرامج تدريب متخصصة لتحسين جودة العسل وتعزيز المهارات المحلية. ومن أبرز مخرجات هذه الشراكة العمل على تربية 10,000 ملكة نحل محليًا، وإنشاء 4,000 خلية نحل، وذلك لتقليل الاعتماد على السلالات المستوردة وتعزيز الاكتفاء الذاتي.

إن تحويل العسل من منتج عشبي تقليدي إلى تجربة سياحية متكاملة قائمة على التراث والإبداع يُعد خطوة استراتيجية نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز الهوية الوطنية. تشير هذه المعطيات إلى أن قطاع العسل في المملكة يقف اليوم على مفترق طرق بين الزراعة التقليدية والتسويق السياحي والاستثماري الحديث. ومع ازدياد الوعي الصحي والحاجة لأنماط حياة مستدامة، فإن الربط بين الضيافة المحلية وسلسلة إنتاج العسل يشكل فرصة استثمارية واعدة.

* اختصاصي تراث وسياحة سعودي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية