في قلب رؤية السعودية 2030، برزت الفنادق التراثية- التاريخية (الفنادق ذات الطابع التراثي أو الفنادق في مباني تاريخية) كأحد الأعمدة الأساسية في تطوير السياحة، حيث تقدم تجربة تجمع بين الأصالة المعمارية والثقافية ورفاهية الإقامة العصرية. هذا النموذج لا يُعد مجرد بديل متوازي للفنادق الحديثة، بل خيارًا آخر يُثري تجربة ذلك السائح الباحث عن رحلة عبر الزمن دون التخلي عن معايير الراحة والجودة. تمثل هذه الفنادق ركيزة في الهوية السعودية، حيث يعاد توظيف المباني التاريخية وتحويلها إلى منشآت فندقية تستقبل الزوار، مع الحفاظ على عناصرها المعمارية الأصيلة كالرواشين، والفناءات الداخلية، والواجهات المزخرفة، في مقابل تقديم خدمات فندقية تضاهي نظيراتها الحداثية.
وضعت وزارة السياحة السعودية إطارًا شاملًا لتصنيف الفنادق التراثية-التاريخية، يضمن التوازن بين جودة الخدمات وخصوصية المبنى التاريخي. فالفندق التراثي لا يكفي أن يكون قديمًا في بنائه، بل يجب أن يلتزم بجملة من المعايير تشمل:
الهوية المعمارية: واجهات تراثية مضاءة جيدًا، ولافتات ثنائية اللغة، وممرات آمنة تتوافق مع معايير الوصول والسلامة.
الوظائف الحديثة: توفر مصاعد أو بدائل لها، وغرف تخزين، ومداخل مخصصة للموظفين، وتقديم تجربة ضيافة شاملة ومتطورة.
إدماج ذوي الاحتياجات الخاصة: من خلال توفير تجهيزات تراعي متطلبات الإعاقة مثل الكتابة بطريقة برايل والتنبيهات الصوتية.
التصنيف والجودة: يشمل الالتزام بمراجعات الجودة، وبرامج “الضيف السري”، والالتزام بدرجات حرارة محددة ومرافق ضيافة تعكس الروح السعودية كالقهوة والتمر.
كما أصبح من الضروري أن تمتلك الفنادق التراثية موقعًا إلكترونيًّا رسميًّا يعرض معلومات دقيقة وحديثة، ويتيح الحجز الإلكتروني، مع ضمان وجود قنوات اتصال واضحة وميسرة. كما يشترط الإطار الوزاري توفير معلومات تفصيلية حول الغرف، والمرافق، والخدمات المتاحة، مع مراعاة احتياجات ذوي الإعاقة.
شدد الإطار على أهمية العنصر البشري، إذ يُطلب من الفنادق تقديم برامج تدريب سنوية للموظفين، بما في ذلك الإسعافات الأولية، وتوظيف نسبة سعوديين تتراوح بين 10 % إلى 50 %، مما يمنح المنشأة نقاطًا إضافية في التصنيف.
جدة التاريخية: نموذج للضيافة التراثية الفاخرة
في هذا السياق وضمن “برنامج جدة التاريخية”، أُعلن مؤخرًا عن افتتاح أول ثلاث فنادق فاخرة في أحياء جدة القديمة، ضمن خطة طموحة تهدف لتأهيل 34 مبنى تراثي – تاريخي وتحويلها إلى منشآت ضيافة راقية:
بيت جوخدار: يتميز برواشينه الخشبية الضخمة، أحد أكبر العناصر الزخرفية في المنطقة.
بيت الريّس: يقدم غرفًا فندقية تتمحور حول فناء داخلي تحيطه أعمدة وأقواس حجرية.
بيت كدوان: يتوسط سوق العلوي، ممزوجًا بين الحداثة وأصالة الموقع التراثي.
وقد تم تنفيذ الترميم بعناية استثنائية وفق معايير اليونسكو، مع الحفاظ على أدق التفاصيل المعمارية، وإدماج وسائل الراحة الحديثة.
جانب آخر من تجربة الضيافة المميزة في هذه الفنادق يتمثل في تقديم المأكولات الحجازية بلمسة عصرية. بإشراف الشيف حنان أنديجاني، الخبيرة في فنون الحلويات من معهد لو كوردون بلو، يقدم المطعم أطباقًا حجازية مبتكرة مثل:
تراميسو بالقهوة السعودية والهيل
بودنغ التمر بالطحينة
باناكوتا بالدبيازة
كيكة العسل الفاخرة
تُعد منطقة جدة التاريخية أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو منذ 2014، ويضم المشروع أكثر من 600 مبنى تاريخي، و5 أسواق تراثية، و36 مسجدًا. إعادة تأهيل هذه الأبنية وتحويلها إلى فنادق فاخرة تساهم في:
إحياء الحياة في الأحياء التاريخية
دعم الاقتصاد المحلي من خلال خلق فرص عمل مستدامة
تعزيز تجربة الزائر بجو يجمع بين الماضي والراحة العصرية
ترى المملكة في السياحة التراثية رافعة اقتصادية وثقافية، وهي اليوم تتجه بثبات نحو تحقيق معادلة صعبة: الحفاظ على الهوية التاريخية، وتقديم تجربة ضيافة عالمية المستوى. وبينما تعيد جدة التاريخية رسم ملامح الضيافة التراثية، يُنتظر من بقية مدن المملكة السير على نهجها في تفعيل التراث، واحتضان الزوار برحابة الماضي ورفاهية الحاضر.
* أخصائي تراث وسياحة