بعد أن كانت أغلب الحلول السابقة للقضية الفلسطينية ولأكثر من سبعين عامًا لا تغادر عالم المثل، حيث هي عبارة عن مجرد قرارات على الورق وبيانات شجب واستنكار، جاءت المبادرة السعودية الفرنسية لكي تنزل بالحل للقضية الفلسطينية من عالم المثل إلى عالم الواقع وتصبح قابلة للتحقيق، فلن تعطي هذه المبادرة حلًّا جاهزًا للقضية الفلسطينية، إنما ستوجد واقعًا افتراضيًّا يؤسس لحل واقعي ونهائي للقضية الفلسطينية، حيث إن عصر الحلول الجاهزة والمعلبة للقضية الفلسطينية ولى وانتهى بعد أن فشلت كل الحلول الدبلوماسية التي لم تؤد إلا إلى مزيد من الضحايا والدمار كما يحدث الآن في غزة ومدن الضفة الغربية، في موازاة ما يدفعه المدنيون الفلسطينيون من أطفال ونساء وشيوخ، حيث في كل يوم يستشهد ما لا يقل عن مئة فلسطيني سواء بالرصاص أو بتجويع الأطفال الرضع على مرأى ومسمع من عالم يدعي المدنية والحضارة الإنسانية على كل الأرض الفلسطينية.
وفي نهاية النفق المظلم والواقع المرير يظهر ضوء وبشارة خير، حيث تبادر السعودية وفرنسا بمبادرة جديدة من نوعها تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية لإيجاد حل جديد من نوعه للقضية الفلسطينية تتم فيه دعوة كل دول العالم للاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، ثم تأتي مرحلة متقدمة لهذا الحل وهي اعتراف متبادل بين دولتين متجاورتين هما دولة فلسطين ودولة إسرائيل بما يسمى (حل الدولتين)، وذلك إذا ما تحقق تنتهي حقبة طويلة من الصراعات والحروب في المنطقة التي كلفت معظم دول الشرق الأوسط الكثير، وأعاقت بعض الدول عن تنفيذ خططها التنموية، وذلك لأنه لا تنمية وتطور بدون استقرار سياسي، ويحمل هذا الحل رؤية القائد المفكر ولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان آل سعود الذي يستشرق بفكره النير عن شرق أوسط جديد ينافس الدول الكبرى بعد أن تبين بما لا يدع مجالًا للشك أن مسار العنف والحروب المدمرة لا يؤدي إلى أي حل للقضية الفلسطينية.
بل تساقط عشرات الضحايا وتدمر المدن كما هو الحال في غزة، وأنه لابد من إيجاد حل جذري للقضية الفلسطينية برمتها وليس غزة فحسب.
ولتنفيذ هذه المبادرة تم عقد مؤتمر تحضيري اعترفت فيه 149 دولة بالدولة الفلسطينية الجديدة والبقية تأتي حيث في شهر سبتمبر المقبل وعدت دول أوروبية وهي فرنسا وبريطانيا وألمانيا وهولندا بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهذا يعطي زخمًا كبيرًا لهذه المبادرة، حيث إن هذه الدول الأوروبية هي من الدول الكبرى التي لها عضوية دائمة في مجلس الأمن، ولها من التأثير الكبير على بقية دول العالم وبذلك تتحقق أمنية الفلسطينيين والعرب في قيام دولة ذات سيادة وعضوية دائمة في الأمم المتحدة وهو الحلم العربي.
وتؤكد الأحداث والحروب التي مرت بها المنطقة برمتها أنه لا سلام وأمن بدون دولة للشعب الفلسطيني كاملة السيادة، وهذا ما خرج به المؤتمر التحضيري الذي عقد مؤخرًا في نيويورك، حيث جاء في البيان الختامي “اتفق المشاركون في المؤتمر على دعم هذا الهدف، وفي إطار عملية زمنية محددة، والوصول إلى اتفاق سلام شامل وعادل بين إسرائيل وفلسطين وتنفيذه، وفقًا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومرجعيات مدريد، بما يشمل مبدأ الأرض مقابل السلام، والمبادرة العربية للسلام، بما ينهي الاحتلال، ومعالجة جميع القضايا النهائية والعالقة، وينهي جميع المطالبات، ويحقق السلام العادل والدائم، ويضمن الأمن للجميع، ويتيح التكامل والاعتراف المتبادل في المنطقة، مع الاحترام الكامل لسيادة الدول”، بحسب إعلان نيويورك.
كاتب وأكاديمي بحريني