العدد 6110
الإثنين 07 يوليو 2025
حين ارتقت المرأة البحرينية إلى الفضاء
الإثنين 07 يوليو 2025

التحولات الكبرى في تاريخ الأمم لا تحدث صدفة، بل هي دومًا نتيجة لرؤية، وقيادة متفوقة، وإرادة من يؤمنون أن السماء ليست حدًا، بل مجرد بداية.

عندما تم انتخاب الشيخة حصة بنت علي آل خليفة نائبًا ثانيًا لرئيس لجنة استخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية (COPUOS) التابعة للأمم المتحدة، لم يكن ذلك مجرد بادرة رمزية تجاه امرأة عربية مسلمة، بل كان اعترافًا بمكانة البحرين وموثوقيتها، كدولة دخلت المجتمع الفضائي الدولي من أوسع أبوابه، بثقة وعزيمة.

هذا الحدث يتجاوز حدود التمثيل الرسمي، ليكشف عن حقيقة أكبر: أن المرأة البحرينية، ومن ورائها جيل كامل من الشباب، أضحوا اليوم جزءًا من مستقبل البشرية، ليس على الأرض فحسب، بل في الفضاء وما بعده.

ما أنجزته الشيخة حصة، وبجانبها الفريق المخلص من وكالة البحرين للفضاء، هو ثمرة مبادرة وطنية تتجاوز التطلعات العلمية، لتكون جزءًا من خطة استراتيجية شاملة يشرف عليها مجلس الدفاع الأعلى، وتحت رعاية دقيقة من صاحب السمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، مستشار الأمن الوطني، قائد الحرس الملكي، والأمين العام لمجلس الدفاع الأعلى. إنها منظومة متكاملة ترتكز على ثلاثة أعمدة: تمكين المرأة، تأهيل الشباب، وبناء اقتصاد معرفي قاعدته الابتكار لا استنزاف الموارد.

حين نتحدث عن “المنذر”، أول قمر صناعي بحريني مصمَّم محليًا، أو عن التعاون مع مؤسسات بريطانية في مشروع COSat، أو عن مشاركة المملكة في القمر الصناعي العربي “813” المخصص لرصد المناخ، والتعاون مع سلطنة عُمان والمملكة المتحدة لاختبار الذكاء الاصطناعي في المدار، فإننا لا نرى دولة تُجرب، بل نرى وطنًا يُعلن حضوره العلمي بدقة وهدف واضح.

وفي هذا الإطار، لا بد من الإشادة بالكفاءات الوطنية في وكالة البحرين للفضاء، أولئك الأبطال الهادئين الذين يبنون لنا كرامة علمية في محافل لا تحتفي سوى بالجودة والامتياز. ما تحقق حتى الآن ليس سوى البداية، لكنها بداية واعدة تستحق أن تُنمى بالإيمان والدعم المالي والسياسات المستقبلية الرشيدة.

وانطلاقًا من هذا الزخم، أقترح خطة وطنية تستند إلى ثلاثة محاور رئيسة:

أولًا: إنشاء مختبرات فضاء مصغّرة في المدارس والجامعات لتعليم علوم الفضاء والذكاء الاصطناعي بأساليب عملية وتفاعلية.

ثانيًا: إطلاق “مبادرة الأجيال المدارية”، وهي برنامج وطني للمنح الدراسية يُعنى بالطلبة المتفوقين في تخصصات علوم الفضاء، ويُنفّذ تحت إشراف وكالة البحرين للفضاء، مستلهمًا من الرؤية المستقبلية التي يوجه بها سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، والذي طالما تبنى الابتكار الاستراتيجي وتمكين الشباب كمرتكزات للأمن الوطني.

ثالثًا: تطوير منصة دبلوماسية علمية بحرينية، تتيح لجيل جديد من العلماء المؤهلين والمتمكنين إعلاميًا تمثيل المملكة في المحافل والمؤتمرات الدولية.

ما نراه اليوم ليس ترفًا علميًا، بل هو ضرورة أمنية وتنموية واقتصادية. وبفضل عقولها ورؤاها، يمكن للبحرين أن تكون المنصة العربية للسلام في الفضاء، إذا ما استثمرت هذا الطريق برؤية طويلة النفس وتركيز منهجي.

وهذا نداء للحكومة، ولصناع القرار: لا نريد أن نكتفي بالإعجاب بهذه اللحظة التاريخية، بل أن نحولها إلى سياسة دولة.. تبدأ من فصل دراسي، وتنتهي بأثرٍ بحريني على سطح القمر.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية