+A
A-

القطاع الخاص في قلب التوجهات الاقتصــاديــة الجـديــدة بالبحـريــن

جاءت مشاركة وزير المالية والاقتصاد الوطني الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة، في الجلسة الرئيسية لمنتدى “نحو تنمية اقتصادية شاملة ومستدامة” – والتي حملت عنوان “مقومات اقتصاد مملكة البحرين والتوجهات المالية والاقتصادية المستدامة” – لتسلط الضوء على ملامح التحول الاقتصادي العميق الذي تقوده المملكة، وبشكل خاص الدور المحوري الذي بات يلعبه “القطاع الخاص” في هذه المرحلة. وفي خضم عرض تفصيلي غني بالمؤشرات والسياسات، برزت عدة إشارات واضحة تؤكد أن البحرين تعيد تشكيل علاقتها بالقطاع الخاص، ليس كمشارك فاعل فقط، بل كشريك رئيسي في قيادة المرحلة المقبلة من النمو.
أحد أهم المضامين التي حملها عرض الوزير هو التأكيد على أن خلق بيئة استثمارية تنافسية وشفافة هو أساس تمكين القطاع الخاص. وقد جاء ذلك من خلال مراجعة نحو 7 آلاف إجراء حكومي، تمّت إعادة هندستها بهدف التسهيل وزيادة الكفاءة وتقليل البيروقراطية. هذه المقاربة الإجرائية ليست مجرد تحسين إداري، بل تُعد خطوة جوهرية في بناء ثقة المستثمرين المحليين والدوليين، وتهيئة المجال أمام القطاع الخاص ليلعب دوره الكامل في التنمية.
وفي ذات الاتجاه، بيّن الوزير أن تطوير القوانين الاقتصادية والتجارية – التي تجاوز عددها 1900 تشريع منذ عام 2002 – صُمم تحديدًا لخلق بيئة قانونية مرنة تدعم توسع الشركات، وتسهل تأسيس الأعمال، وتوفر بيئة تنظيمية متوازنة. ويُعد تحديث قانون الشركات التجارية، وتنظيم سوق العمل، من أبرز الأمثلة على ذلك، إضافة إلى قانون السيادة على البيانات الرقمية، الذي يمنح البحرين تميزًا تشريعيًا نادرًا عالميًا في استقطاب شركات التكنولوجيا والبيانات.
ومن الجوانب المهمة التي تناولها الوزير أيضًا، الإشارة إلى أن البحرين تسعى إلى أن يكون **المواطن البحريني هو الخيار الأول في سوق العمل**، دون إغلاق السوق أمام الاستثمارات الخارجية. هذه السياسة المتوازنة توضح كيف يمكن للقطاع الخاص أن يكون أداة لتمكين الكوادر الوطنية، من خلال التوظيف والتدريب، وفي نفس الوقت الاستفادة من الخبرات والاستثمارات العالمية. وبالفعل، فإن أرقام التوظيف والتدريب التي أوردها الوزير – حيث تم توظيف أكثر من 29 ألف مواطن سنويًا خلال ثلاث سنوات، وتدريب أكثر من 41 ألفًا – تظهر نتائج ملموسة لهذا التوجه.
القطاع الخاص لم يكن غائبًا أيضًا عن المشاريع التنموية الكبرى، التي بلغت قيمتها أكثر من 30 مليار دولار، والتي تشكل مزيجًا من الاستثمارات الحكومية والخاصة. فمشاريع مثل مركز البحرين العالمي للمعارض، ومنطقة البحرين اللوجستية، وتوسعة مطار البحرين، وقرية الشحن الجوي، والمدينة الرقمية، هي أمثلة على شراكة استراتيجية بين الدولة والقطاع الخاص، تهدف إلى تحفيز النمو الاقتصادي من جهة، وخلق فرص عمل واستثمارات من جهة أخرى.
وفي الجانب التمويلي، أشار الوزير إلى أن زيادة الإيرادات غير النفطية لتغطية المصروفات المتكررة بنسبة 100 % بحلول 2024، يتطلب مساهمة أوسع من القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، سواء من خلال الضرائب المستحدثة على الشركات متعددة الجنسيات أو من خلال التوسع في القطاعات الإنتاجية. ويظهر من هذا التوجه أن البحرين لم تعد تعتمد فقط على تمويل الدولة للمشاريع، بل تسعى إلى تمكين القطاع الخاص ليكون مصدرًا للنمو والإيرادات والاستدامة المالية.
في المجمل، فإن تحليل مضمون العرض الذي قدّمه وزير المالية يؤكد أن البحرين تنظر إلى القطاع الخاص كأداة تنفيذية واستراتيجية في بناء اقتصاد المستقبل. البيئة التشريعية المتطورة، والبرامج الداعمة، والإجراءات الحكومية التي أُعيدت صياغتها، كلها تصب في اتجاه واحد: تحويل القطاع الخاص من تابع إلى شريك، ومن منفذ إلى صانع، ضمن رؤية وطنية متكاملة تسعى إلى تنمية مستدامة لا تقوم فقط على الموارد، بل على الابتكار، والمرونة، والشراكة الفعالة بين الدولة والمجتمع.