شتّان بين الكاتب والأديب الأصيل الذي يقدم نتاجًا فكريًّا خصبًا ونفيسًا على مدار سنوات طويلة ويحمل على عاتقه رسالة سامية رفيعة ومشعلًا للثقافة والفكر، وحياته بحد ذاتها ملحمة فريدة تستحق أن تروى، لتكون زادًا ثريًّا للشباب الطموح للأدب والثقافة والفكر، وعلى النقيض تمامًا الثرثار والمتطفل على الثقافة الذي يعيش خارج أسوار الإبداع بمعناه الحقيقي، هذا المتطفل يرى نفسه الضياء الطبيعي الذي سينير الجو المظلم الكابوسي ويفك الواقع الصعب المتشابك، وهو بعيد عن كل ذلك.
المأساة ليست في التشاؤم، بل في واقع نعيشه. إنها حالة طبيعية تحدث في كل ميدان، لكنها في مجتمعنا تكتسب خصوصية متميزة. لقد تضخمت الذات الفردية بشكل غير طبيعي لدى هؤلاء الثرثارين والمتطفلين على الأدب والثقافة، واحتلت حيّزًا لا متناهيًا من الأنا، حتى ليُخيل إليك أن من يقف أمامك هو دوستويفسكي أو نجيب محفوظ أو توفيق الحكيم. هذه ليست ظاهرة عابرة، بل نتيجة حتمية لـ “ثقافة الصمت عن قول الحقيقة”، وغياب الرؤية المثالية التي تتخلص من الأوهام، وتكمن المشكلة أيضًا في عدم وضوح موقف الجمعيات والمنابر الثقافية التي للأسف منحت هؤلاء الوقت والمكانة، واستضافتهم في أمسيات وندوات، وناقشت نتاجهم الضعيف بكل المقاييس، وجعلتهم يطفون على السطح. لقد صدقوا أنفسهم بأنهم أدباء وكتاب، واليوم يرفضون مبارحة الساحة، بل ويتشبثون بها على أمل الحصول على جائزة نوبل.
غريب هذا الصمت الذي يلف منسقي البرامج في الجمعيات الثقافية، والذين يرفضون خلع أغلال المجاملات، ويسلمون أنفسهم بالكامل لهؤلاء المتطفلين على الأدب وعالمهم المليء بالجفاف. وكأن الانتكاسات أصبحت قانونًا، والتيه والضياع تحوّلا إلى خلق وإبداع.