العدد 6048
الثلاثاء 06 مايو 2025
تحولات سوق العمل في عصر الذكاء الاصطناعي.. زيادة البطالة وفرص واعدة
الثلاثاء 06 مايو 2025

 في ظل الثورة التكنولوجية المتسارعة، يشهد سوق العمل العالمي تحولات جذرية تُهدد الوظائف التقليدية وتفتح آفاقًا عديدة لفرص جديدة تتمتع بمهارات مختلفة. وفي عُمان والدول العربية، حيث الغالبية العظمى من المواطنين يعملون في الوظائف التقليدية التي هي مهددة بالانقراض، تبرز تحديات كبيرة تتطلب استجابة استباقية من الحكومات لخلق فرص عمل جديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة وإعادة تدريب جميع الموظفين الحاليين والمتوقع دخولهم سوق العمل على المهارات الجديدة المطلوبة في سوق العمل المتبدل، وعكس ذلك فإن عمليات تسريح الموظفين ستأخذ منحنيات جديدة وتقفز البطالة إلى معدلات هائلة جدا.
الوظائف التقليدية المهددة بالاختفاء:
1 - الوظائف الإدارية والكتابية، وهي الوظائف التي يشغلها أعداد كبيرة من المواطنين - مثل كتبة البيانات وموظفي البنوك التقليديين، وموظفي الحسابات البسيطة وموظفي مراكز الاتصال التقليدية “ call centre”، بسبب التحول إلى الخدمات الإلكترونية والرقمية والذكاء الاصطناعي. 
2 - وظائف التصنيع اليدوي، فمع انتشار الروبوتات والآلات الذكية، ستتراجع الحاجة إلى العمالة غير الماهرة التقليدية وعمال المخازن التقليدية وعمال البناء وتنظيف الشوارع وغيرها من الوظائف المماثلة ويحل محلها الروبوتات اللوجستية.
3 - الوظائف الزراعية التقليدية، بسبب تقنيات الزراعة الذكية والزراعة الحيوية والآلات الحصادة الذاتية.
4 - وظائف البيع بالتجزئة، مع نمو التجارة الإلكترونية ستتراجع الحاجة إلى البائعين في المتاجر التقليدية، ومع انتشار وسائل الدفع الذاتي ستختفي وظائف موظفي استلام المبالغ “كاشير”.
5- وظائف الوساطة: مثل سماسرة العقارات، بسبب انتشار المنصات الرقمية التي تربط المستهلكين مباشرة بالخدمات. 
6- وظائف النقل التقليدية مثل سائقي السيارات الخاصة وسيارات الأجرة والشاحنات، بسبب تطور السيارات ذاتية القيادة.
7- وظائف تعبئة الوقود بسبب انتشار السيارات الكهربائية.

الوظائف التي سوف تزيد الحاجة إليها:
1- وظائف التكنولوجيا المتقدمة: مطورو الذكاء الاصطناعي، خبراء البيانات الضخمة، ومهندسو إنترنت الأشياء (IoT). 
2- وظائف الطاقة المتجددة: فنيو الطاقة الشمسية، والطاقات الأخرى ومهندسو كفاءة الطاقة. 
3- الوظائف الصحية التخصصية: أخصائيو الطب الجيني، وفنيو الروبوتات الجراحية، ومقدمو الرعاية عن بُعد (Telemedicine). 
4- وظائف الاقتصاد الرقمي: مسوِّقون رقميون، ومصممو الواقع الافتراضي (VR/‏AR). 
5- خبراء إدارة النفايات، ومهندسو المدن الذكية. 

استراتيجيات مواجهة البطالة المتوقعة ودور الحكومات:

1. إصلاح النظامين التعليمي والتدريبي، وإيجاد جيل جديد من المعلمين. 
 - تحديث المناهج لدمج المهارات الرقمية (البرمجة، تحليل البيانات). 
 - تعزيز التعليم المهني والتقني عبر شراكات مع القطاع الخاص. 
2. تشجيع ريادة الأعمال: 
 - تمويل المشاريع الناشئة في مجالات التكنولوجيا، وإنشاء حاضنات أعمال. 
3. الاستثمار في البنية التحتية الرقمية: 
- القضاء على البيروقراطية وتقليل أعداد موظفي الحكومة، تلك الأعداد التي تكلف الحكومات مبالغ هائلة. 
 - توسيع نطاق الإنترنت عالي السرعة، وتحويل الخدمات الحكومية إلى منصات رقمية.
4. إعادة تأهيل جميع الموظفين الحاليين بصورة شاملة ومكثفة.
- برامج تدريبية مكثفة (Upskilling) في المهارات الجديدة مثل الأمن السيبراني.
5. تشريعات مرنة:
 - قوانين تدعم العمل عن بُعد كما فعلت الإمارات عن طريق مبادرة “مليون مبرمج عربي”.
حيث ربطت بين التعليم التقني واحتياجات سوق العمل المتبدلة عبر تدريب الشباب على مهارات البرمجة، ما خلق فرص العمل عن بُعد مع شركات عالمية، من دون الحاجة إلى السفر خارج أوطانهم، وتشجيع العمل الحر.

6. حماية الفئات الأكثر تأثرًا: 
 - شبكات أمان اجتماعي، وإعانات تدريبية للعاطلين خلال المرحلة الانتقالية.
 7- إعادة تشكيل القطاع الخاص: حيث إن معظم أنشطته خدمية، إلى قطاع إنتاجي.
8- تشجيع الاستثمارات الأجنبية وإيجاد بيئة جاذبة للاستثمار وقوانين عمل مرنة وصديقة لجذب الاستثمارات.


دراسة حالة مستقبل الوظائف المصرفية
تشهد الصناعة المصرفية تحولًا جذريًّا مع اتجاه البنوك العالمية لإغلاق الفروع التي تكلفها الكثير من النفقات، وعلى سبيل المثال، تم إغلاق “ 2,454 “ فرعًا في الولايات المتحدة خلال عام 2023 فقط. وسوف يتم إغلاق الفروع في عمان وفي المنطقة العربية تدريجيا، وسوف تتسارع عملية الإغلاق مع تقدم التكنولوجيا. 

أسباب الإغلاق:
- تفضيل العملاء للخدمات الرقمية: 74 % من الشباب العربي يستخدمون التطبيقات المصرفية (استنادًا لتقرير البنك الدولي 2023). 
- تقليل التكاليف: سوف تُوفِّر البنوك الكثير من نفقات التشغيل عبر التحول الرقمي. 

التأثير على تسريح الموظفين العاملين في البنوك: 
- من المتوقع فقدان 20 % من وظائف البنوك التقليدية بحلول 2030، لكن ستظهر فرص في مجالات مثل التكنولوجيا المالية (FinTech) والأمن السيبراني.
 
الحلول المقترحة:
- إعادة تدريب موظفي البنوك على مهارات التكنولوجيا المالية. 
 
التحديات
1. الفجوة بين التعليم وسوق العمل الذي هو الآخر سوق مشوه.
- 52 % من خريجي الجامعات العربية يعملون في مجالات لا تتعلق بتخصصاتهم (اليونسكو، 2023). 
2. العمالة الوافدة:
- تحتاج الدول الخليجية إلى سياسات فعّالة لاستبدال العمالة المستوردة بالكفاءات المحلية.
3. الفجوة بين الجنسين: 
 - تشكل النساء 32 % فقط من خريجي تخصصات STEM “ (تجمع التخصصات الأكاديمية في العلوم والتقانة والهندسة والرياضيات)، في العالم العربي (البنك الدولي، 2022). 
4. الثقافة المجتمعية:
 - لا يزال العمل الحكومي يُعتبر “الوظيفة المثالية”، ما يتطلب تغييرًا ثقافيًّا لتشجيع المهن التقنية.

التغيير حتمي، والتخطيط ضرورة:
رغم التحديات، فإن الفرص أكبر من التهديدات إذا تم التعامل مع التحولات بذكاء. نجاح دول مثل الإمارات والسعودية في تبني الذكاء الاصطناعي (مثل “مشروع نيوم”) يُظهر أن المنطقة قادرة على المنافسة. يتطلب الأمر: 
- تعاونًا ثلاثيًّا بين الحكومات (لوضع السياسات)، والقطاع الخاص (للاستثمار)، والأفراد (للتأهيل المستمر). 
- رؤية طويلة المدى تُدمج التكنولوجيا مع الاحتياجات المحلية، كالاستثمار في الزراعة الذكية لتعزيز الأمن الغذائي. 
- موازنة بين الابتكار وحماية الفئات الهشة لضمان انتقال عادل إلى اقتصاد المستقبل.
تؤكد التحولات الجارية أن التغيير أمر حتمي، ولكن الاستفادة من الفرص المصاحبة تتطلب رؤية واضحة وتخطيطًا استراتيجيًّا بعيد المدى.

بناء مستقبل سوق العمل العماني والعربي يعتمد على: التعاون المشترك بين الحكومات، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني. وتبني الابتكار مع الاحتفاظ بالعدالة الاجتماعية وضمان انتقال سلس للفئات الضعيفة.
التخطيط المسبق لتكييف التعليم والتدريب، والتوظيف مع متطلبات الثورة التكنولوجية الكاسحة.
إنه زمن التحول الكبير - ولن ينجو إلا من يستعد له مبكرًا ويستثمر في الإنسان قبل الحجر.
سلطنة عُمان أمام فرصة تاريخية لتوليد وظائف جديدة مرتبطة بالرقمنة والطاقة المتجددة والابتكار، لكن بشرط تطوير التعليم الفني والمهني، وتدريب الشباب العماني على المهارات الرقمية والريادية المتقدمة.


* مصادر البيانات:
- البنك الدولي (2023)، اليونسكو (2023)، تقارير مؤسسة النقد العربي السعودي (2023).

كاتب عماني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .