سقى الله أياما كان الجار فيها قبل الدار، وكان الأقارب أصحاب البيت، وكانت الأبواب على مصاريعها مفتوحة للجيران والأهل والأصحاب، وكان بين بعض البيوت والأخرى فرجة يدخلون ويخرجون منها بحرية، وكانت قهوة “العصاري” وقصعة التمر والتجمع في “حوش” الدار على حصيرة من الجريد، والأحاديث التي لا تمل بين نساء القرية، ومجالس الرجال التي تقدم فيها الولائم، تعدها النساء في ذلك الحوش في قدور نصبت على ثلاث من الصخور أوقد تحتها سعف النخيل والحطب، من ثوابت الحياة اليومية في الزمن الجميل. تعلم صاحبة البيت أن جاراتها آتيات للزيارة والسمر ليلا في الليوان، وفي المسجد وبعد صلاة العشاء يأتي الرجل مصطحبا أصحابه لتناول العشاء دون سابق إنذار. كانت الحياة بسيطة وجميلة وكانت القلوب نقية ولم يكن للتذمر مكان ولا كان الانشغال ولا المرض عذرا.
لا وجه شبه بين اليوم والبارحة. نام الناس على محبة وسلام وتواصل وأبواب مفتحة، واستيقظوا ليجدوا النفوس وقد تبدلت والأبواب وقد أغلقت بحديد الانشغال وامتحانات الأبناء، والأمراض، والسفر، وعدم الاستعداد. وهنا يطفح سؤال على السطح: هل كان أجدادنا وآباؤنا وأمهاتنا عاطلين عن العمل يتمطون في فرشهم، ويسبحون في عيون الماء، أم كانوا يشقون الأرض ويحرثونها ويزرعونها ويسقونها ويحصدون الحصاد، ويحملونه للباعة ويتحملون حرارة الشمس المحرقة وبرد الشتاء القارس، ويرون الموت في الغبة (شهور صيد اللؤلؤ) لأربعة من الشهور؟ ألم تكن النساء تتكبد مشقة العمل في المنزل وعناء جلب الماء من العيون النائية أو من الماكينة البعيدة وحمله في أوان فوق رأسها لمسافات طويلة ولديها في المنزل أطفال تركتهم عند أهل الزوج أو لدى الجيران؟
هذا الانغلاق والتقوقع في نطاق الأسرة وعدم الرغبة في استقبال الزائرين، هو أحد مفرزات التطور الذي أعقب استكشاف النفط، حيث تقدم العمران وتحولت المساكن من برستجات وعرشان تسمح بنفاذ الزائرين إلى منازل بنيت من الطوب والحديد، منعت حتى الحشرة من الولوج. ومنذ أن أوصدت أبواب بيوتنا، تغلقت أبواب البركة، وتلاشت البهجة التي يخلقها اللقاء، وعم الضجر والسكون، وصار الانغلاق لا في الباب الأمامي للمنزل فحسب، بل وفي كل غرفة من غرف الدار، وبات أفراد الأسرة أنفسهم منعزلين لا يرى بعضهم بعضا، فكيف يحتملون فتح بابهم للزائر المفاجئ.
كاتبة بحرينية