حين لا نصبح نحن، تتحوّل حياتنا إلى جحيم لا يطاق، فنحن لا نستطيع التصرف على سجيتنا، فنخفي طبائعنا ونحيا كأبطال على خشبة مسرح، نمثل أدوارًا لا تمت لأدوارنا الحقيقية بصلة، وننتحل شخصيات لا ترتبط بشخصياتنا بأية روابط.
نحن على خشبة مسرح الحياة المهترئة لا نقول ما نريد، بل ما كتبه آخرون لنا، ولا نتمطى على مسرحها كما يحلو لنا، بل بحسب ما رسمه المخرجون حولنا لكيفية تحركاتنا وسكناتنا.. نجلس كيفما يريدون وننهض في اللحظة التي يشاءون، ونشعر بما يريدون منا أن نشعر، ليرضوا عن أدائنا، وليفرحوا باتباعنا نهجهم وطريقتهم ورغبتهم، وليكفوا عنا شرهم بأيديهم وألسنتهم.
لسنا على صواب حتما، بل نحن مجبرون لشديد الأسف؛ فهؤلاء المخرجون الذين يخرجون أعمالنا، هم على الأغلب أهلنا أو أصدقاؤنا أو زملاؤنا في العمل، لا بل قد يكونون أبناءنا الذين ربيناهم في حجورنا.. من هؤلاء من يحركنا بيديه كما يحرك الفنان خيوط عرائسه، فيملون علينا الحركة والصوت والصورة، لا تأكل هكذا، كل بهذه الطريقة.. لا تقل هذا الكلام، لا تضحك، لا تبتسم، لا تبكي، لا تبالغ، لا تنصح، لا تسافر، لا تجلس، لا تقف، لا تتحدث عما جرى لك البارحة، لا تتألم، لا تتكلم، لا تفضفض، لا تذهب للمكان الفلاني، لا تصاحب فلانًا، صاحب فلانًا، لا تأكل من هذا المطعم، لا تمارس هذه الهواية.
لا تتناول علاجك، لا تذهب للطبيب، لا تنم على هذا الجانب، نم على ذلك الجانب.. حتى تصبح نسخة مهجنة من هذا وذاك، لترضيهم جميعًا، ولتحفظ شعرة معاوية التي بينك وبينهم، فلا تتوتّر العلاقة بينك وبين أبنائك وأهلك ومن تربطك بهم علاقة داخل أسرتك ومجتمعك.
ما إن تشد الخيط الذي يحركونك به يتوتر ويتموج وقد ينقطع، وأنت لا تحتمل انقطاعه، بالأخص لو كان الخيط رابطًا بينك وبين أقرب الناس إلى قلبك، فما هو الحل إذًا؟
ضع حدودًا واضحة للتعامل بينك وبين من يحاول السيطرة عليك قدر الإمكان، وإن اضطرك الأمر لكتابة تلك الحدود الشخصية بك وإرسالها إليه. يكفيك أحيانًا أن تصرفه عن ذهنك؛ فلا تلقي له بالًا، لتعيش في سلام. كما لا ينبغي لك أن تجادل الشخص المتسلط، وتحلّ بالهدوء والصبر أثناء التعامل. كن مرنًا وإيجابيًّا، وتجنّب الاعتذار والتبرير. أخيرًا، إن لم تجد كل تلك الحلول نفعًا؛ فاسمح له بالرحيل، واسمح لنفسك بالحضور.
كاتبة بحرينية