بخلاف الكثير من الأنشطة الإنسانية الأخرى، برز الذكاء الاصطناعي قوةً تحويلية تعيد تشكيل الديناميات العالمية، وتؤثر على الصناعات، والمجتمعات، والحكومات، بل حتى البحث العلمي على حد سواء، فعلى العكس من التقنيات السابقة التي تقتصر على التأثير الإقليمي أو القطاعات المتخصصة، فإن الذكاء الاصطناعي مترابط بشكل عميق عبر مجالات متعددة. وتحاول هذه المقالة تشخيص الطابع متعدد الأبعاد الذي يتمتع به الذكاء الاصطناعي عبر تحليل انتشاره العالمي، وعن طريق ضرب أمثلة ملموسة، ورؤى إحصائية واتجاهات تشكل في مجموعها تأكيد البعد الكوني متعدد الأوجه الذي ينعم به الذكاء الاصطناعي، وضرورة الانتباه لها عند معالجة ظاهرة الانتشار الواسع، اللامحدود، وغير المسبوق، للجدل الذي رافق الاستخدامات المختلفة للذكاء الاصطناعي، بين دعاة متحمسين لترويجها وجني الاستفادة القصوى منها، ومحافظين يحذرون من مغبة تحويلها إلى أداة يستفاد منها في الأنشطة الإنسانية، الفردية منها والمجتمعية.
والأمر الذي ينبغي الاعتراف به من قبل الفريقين المختلفين، بين مؤيد ومحذر، هو تجاوز الذكاء الاصطناعي حدود المختبرات والصناعات المتخصصة، وفرض نفسه، ظاهرةً، وقوةً تحويلية حقيقية، يمتد تأثيرها إلى كل جانب من جوانب الحياة البشرية تقريبا، على النطاقات كافة:
الجغرافي، والسياسي، والمجتمعي.
وهذا الأمر يتطلب منا إعادة تشكيل تصورنا لهذه الظاهرة المتفردة في تعدد أوجه استخدامها، على المستوى الأفقي، وعمق ومدى تأثراتها على الأنشطة الإنسانية على المستوى العمودي، فعلى العكس من العديد من التطورات التكنولوجية الأخرى التي تقتصر تأثراتها على صناعات معينة، أو مناطق جغرو- سياسية محددة، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي كوني بطبيعته، ويتكامل مع الاقتصاد العالمي والسياسة والديناميكيات الاجتماعية والمساعي العلمية من حيث استخداماته.
وتحاول هذه المقالة أن تستكشف طبيعة الذكاء الاصطناعي متعددة الأبعاد، وتسلط الضوء على جوانب اختلافها عن التقنيات السابقة عبر تجاوز الحدود الإقليمية والقطاعية، فبينما فشلت بعض الابتكارات في تحقيق صدى عالمي، رسخت تطبيقات الذكاء الاصطناعي نفسها داخل أنظمة مترابطة، أدت في الوقت نفسه، إلى التغيير وترك علامة لا تمحى عبر قطاعات متعددة. وبهذا الفحص الشامل، نهدف إلى فهم الأبعاد العالمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية للتطبيقات المتعددة لخوارزميات الذكاء الاصطناعي، فبفضل كل ذلك يتفرد الذكاء الاصطناعي بقدراته اللامحدودة على صهر ومن ثم دمج الأبعاد العلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في بوتقة مشتركة، وهو بذلك، على العكس من الموجات التكنولوجية السابقة مثل الثورة الصناعية، التي اقتصرت على أنظمة الإنتاج.
لذا نجد أن تقنيات مثل كتل السلاسل “blockchain”، على الرغم من ثوريتها في التمويل، مقيدة داخل الحدود القطاعية. في المقابل، تتخلل الذكاء الاصطناعي الرعاية الصحية والتعليم، والأعمال، والحوكمة، ما يؤدي إلى التغيير المنهجي في جميع أنحاء العالم.
وتقدر توقعات شركة برايس وترهاوس كوبرز “PWC” حصة الذكاء الاصطناعي بنحو 15.7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول العام 2030، وهذا تأثير مماثل للناتج المحلي الإجمالي الحالي المشترك للصين والهند مجتمعين، وهذا يوضح قابلية تطبيق الذكاء الاصطناعي على الصعيد العالمي، ما يؤثر على كل من الأسواق المتقدمة والناشئة.
وتشير بعض التقديرات، إلى أن تركيز الصين على الإنتاجية المدعومة من الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 26 % بحلول العام 2030. وعلى نحو مواز، من المتوقع أن تحقق أميركا الشمالية نموا بنسبة 14.5 %، ما يوضح كيف في وسع تقنيات الذكاء الاصطناعي تسريع القدرة التنافسية الاقتصادية العالمية.
البعد الاجتماعي لـ “الذكاء الاصطناعي”
1. ابتكارات الرعاية الصحية
بين يدي تقنيات الذكاء الاصطناعي تطبيقات متقدمة، تخاطب قطاع الرعاية الصحية على نحو مختلف، وبآفاق أوسع، وتساعد التحليلات التنبؤية المستشفيات على إدارة تدفقات المرضى، بينما تحدد أدوات التشخيص التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي الأمراض بشكل أكثر دقة، فعلى سبيل المثال، طورت “DeepMind” من شركة “Google” نماذج الذكاء الاصطناعي، فقد نجحت في اكتشاف طرق تشخيص ما يربو على 50 مرضا في العيون من فحوصات الشبكية، متفوقة على المتخصصين من البشر الآخرين، أو حتى نظيراتها من البرمجيات والمعدات الأخرى المرافقة لها. كما توفر روبوتات الدردشة التي تعمل بنظام الذكاء الاصطناعي مثل “Woebot” دعما للصحة العقلية في الوقت الفعلي (online)، ما يوضح كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل رعاية المرضى بزيادة إمكان الوصول إلى الأهداف المرجوة، عبر طرق مختلفة.
2. التحول التعليمي
الذكاء الاصطناعي أيضا ثورة في التعليم عبر منصات التعلم الشخصية مثل “Khan Academy” و “Coursera”، وتستخدم هذه المنصات خوارزميات لتخصيص المحتوى وفقا لسرعات تعلم الطلاب وتفضيلاتهم، ما يعزز المشاركة. كما يقوم “Squirrel”، الذكاء الاصطناعي الصيني، بتكييف الدروس في الوقت الفعلي بناء على تقدم الطلاب، ما يدل على قدرة الذكاء الاصطناعي على إضفاء الطابع الديمقراطي على التعليم على نطاق واسع.
وهذا لا ينفي بعض السلبيات التي يفرزها استخدام برمجيات الذكاء الاصطناعي، إذ يثير تكامل الذكاء الاصطناعي بعض التحديات، إذ يمكن أن تعزز التحيزات الخوارزمية عدم المساواة المجتمعية، كما هو الحال عندما وجد أن أدوات التوظيف باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي تميز ضد المتقدمات في قرارات التوظيف، ويعد ضمان الشفافية والإنصاف في هذه الخوارزميات أمرا ضروريا للتخفيف من توليد مثل هذه المشكلات.