رائعة المخرج سيدني بولاك
فيلم " الجياد المقتولة"..حياة المهانة في المجتمع الأمريكي
إذا كان من الصعب جدا أن يتناول أي مخرج بعمق أمريكا كلها في فيلم واحد، إلا أن المخرج سيدني بولاك الحائز على جائزة الأوسكار عن فيلمه الخرافي " الخروج من أفريقيا" عام 1986 استطاع أن يتحدث عن القيم المسيطرة على المجتمع الأمريكي في فيلمه " الجياد المقتولة" الذي لعبت فيه الممثلة الكبيرة جين فوندا دور البطولة إلى جانب مجموعة من النجوم، وحقق نجاح ساحق عند عرضه بداية السبعينيات، ولغاية اليوم يعتبر من أهم الأفلام التي تفضح كيف يستثمر الأغنياء في أمريكا أموالهم في ألعاب مضمونة النجاح ماديا ولكنها ضد القيم الإنسانية، ، وما دفعني لمشاهدة هذا الفيلم الموجود على قناة " اليوتيوب" هو اتفاق النقاد على أن نقطة البداية الحقيقية للسينما الأمريكية في التحدث عن الاستهلاك الجشع هو هذا الفيلم" رغم أن هناك أفلاما أخرى تناولت هذا الجانب مثل فيلم " الرجل الراكض" للممثل ارنولد شوارزنيجر.
عموما ...يتناول الفيلم حادثا يبدو للوهلة الأولى طريفا . مجموعة من الناس يتقدمون للاشتراك في مسابقة للرقص. وكل منهم يأمل بأن ينتهي إلى الفوز ليحصل على كمية من النقود تساعده فيما هو فيه . ولكن المسابقة ما أن تبدأ ، حتى تتكشف اللعبة ويغدو المتسابقون كالآلات البشرية المربوطة على صليب قدرها ، لتؤدي دورا يعود بالمنفعة والمال على المقامرين والمتفرجين هواة التسلية وعلى أصحاب النادي ، مكان المسابقة.
أهم ما في هذا الفيلم ، النفس الحاد الذي يميزه ، والعمق في فضح آلية الحياة تحت وطأة النظام الرأسمالي الذي يترجم فيه كل شيء إلى مال، فثمة بعض المشاهد التي تصل إلى ذروة الإحساس بالفاجعة تلك التي تصور المتسابقين وهم يركضون لاهثين، نصف أموات ، وبينهم امرأة حامل يجرها زوجها حتى تتم دورات الجري كي لا يخرجوها من المسابقة . مشاهد قاسية ، ولكن قسوتها توجه صفعات الإدانة إلى اولئك الذين يمتطون حياة ومصير هؤلاء الناس الساعين إلى رزقهم لا أكثر ، والذين ما اندفعوا إلى المسابقة إلا طموحا بما يعينهم على سد حاجاتهم.
وتتفجر الفاجعة، حين يطلب المشرف على المسابقة من إحدى المتسابقات "جين فوندا " أن تتزوج من أحد المتسابقين ، وذلك كسبا للدعاية والربح، فترفض الفتاة ، ويرفض الشاب بعدها ، ويجري حوار بينها وبين المشرف على المسابقة ، تنجلي من خلاله حقيقة أنه لن يكون رابحا أي من المتسابقين . فمن سيربح فسيضطر أن يدفع ضرائب وثمن أكله وإقامته، إذ إن المسابقة تستمر أياما عديدة ، ولن يبقى له شيئا ، فتثور الفتاة وتحزم أمتعتها وتخرج مع الشاب ويقفان ليلا في مكان ما في الشارع المجاور ، وتخرج مسدسا صغيرا وتطلب من صديقها أن يطلق عليها النار فيفعل . وتأتي الشرطة فتأخذه ، وحين يسألونه لماذا فعل ذلك ، يجيب : انها هي التي طلبت ذلك.
ويتوج هذا الانتحار المفجع الارادي فيلم بولاك المثير والمحكم الصنع ، الموجه إلى صفع عقلية النظام الأمريكي التي تنطوي على قسوة ووحشية لا حد لهما، ونجح المخرج أيضا في تقديم أسلوب الحياة " على الطريقة الأمريكية" التي قدمها الممثلون ، ابتداء من أكثر البسطاء منهم، إلى أكثرهم سفسطة وحياة المهانة في المجتمع الأمريكي.