ألم مفاجئ أفقدها القدرة على المشي
بالفيديو: الملهمة سارة بوصالح: لا أقبل الهزيمة وواجهت الإعاقة بابتسامة
-
أول طالبة على كرسي مقعد تتخرج من كلية البحرين للمعلمين
-
إصابتي جعلتني أتوقف عن الدراسة شهرا كاملاً
-
اختصاصية العلاج الطبيعي شجعتني على الخروج من الحالة النفسية
-
أطمح بأن أكون أول مدربة إسعافات أولية على كرسي متحرك
-
كسرت حاجز الخوف وألقيت شعرا أمام مئات الطلاب في الجامعة
-
نشرت قصتي على مواقع التواصل الاجتماعي لتكون حافزا للآخرين
لم تمنعها إعاقتها التي أصيبت بها بلا ميعاد سابق، عن مواصلة مسيرتها التعليمية وتحقيق حلمها بأن تتخرج من كلية البحرين للمعلمين بتخصص نظام فصل، وأن تكون أول طالبة على كرسي متحرك تتخرج من الكلية.
سارة بوصالح الفتاة الشغوفة ذات الـ 23 ربيعا قاومت الإعاقة بنظرة إيجابية وجعلتها حافز ودافع لها بأن تتقدم للأمام وأن تغير نظرة المجتمع لإمكانات ذوي الهمم، وأن تكون خير من يلهم الأخرين. “البلاد” التقت مع بوصالح وكان هذا الحوار معها:
* هل بدأ المرض معك بشكل تدريجي أم حصل بشكل مفاجئ؟
- كانت البداية أثناء جائحة كورونا، وبالتحديد خلال عامي الثاني من الدراسة الجامعية في كلية البحرين للمعلمين، حينها بدأ المرض بالآلام في
الكتف والظهر، ولكن لم أكن اعرف عنه شيئا، ولم يكن أحد أن يتخيل أن هذه الألم له نتيجة أخرى.
وبتاريخ 24 سبتمبر 2020 أزداد الألم بشكل لا يحتمل وازدادت ساعات حدوث نوبات الألم في جسدي فهرع والداي لأخذي للمستشفى، حيث إن صعودي للسيارة هذه المرة كان مختلف جدا إذ كان هذا الصعود أخر حركة لقدمي وفقدت الإحساس بها بعدها عند نزولي من السيارة وكان الأمر أشبه باختفائها.
* وكيف كانت ردت فعل العاملين في المستشفى حيال ذلك؟
- الجميع كان في حالة صدمة واستغراب معتقدين أن سبب ذلك نوبة هلع أو ربما عارض نفسي مررت به، ولم يكونوا بعلم أن الأمر أكبر من ذلك، وعليه تم مباشرة حالتي من قبل الطبيب المختص وهو طبيب مخ وأعصاب وعمل الأشعة اللازمة، حيث تبين له وجود التهاب حاد لدي في الحبل الشوكي.
* هل تم تشخيص المرض بشكل مبكر أم كان هناك تأخير؟
- “التهاب النخاع المستعرض” له ثلاث مراحل، وأنا كنت في مرحلة التوابع، حيث استغرق الكشف عن الالتهاب فترة طويلة، ما سبب وصوله إلى المرحلة الأخير وهي الإعاقة الشديدة، فتسبب لي في حدوث شلل نصفي.
* وما هو الإجراء الطبي الذي تم اتباعه معك بعد اكتشاف الالتهاب؟
- تم إعطائي دواء خاص بالاتهاب إلا أن جسمي لم يستجب له، فقرروا الأطباء عمل تبديل لخلايا الدم إلا أني رفضت ذلك بسبب خوفي، كما أن حالتي الصحية والنفسية لم تكونا بخير كوني كنت في العناية المركزة.
وقمت بعمل ”خزعة” سحب ماء من الظهر وكانت نتيجة التشخيص والفحوصات سليمة ويتبين أن الالتهاب ليس له سبب، وقد يكون السبب خلايا الدم البيضاء التي حاربت الجسم نفسه ولم تتعرف عليه.
* حدثينا قليلًا عن شجاعتك في مواجهة المجتمع بعد مرضك المفاجئ؟
- في الحقيقة أصبت بعزلة نفسية في أول 6 أشهر من إصابتي بالاتهاب، ولم أكن أريد أن أرى الناس مطلقا، كوني كنت متخوفة من نظرة المجتمع لي، بكيف كانت سارة حيوية قبل المرض وتستطيع المشي وتلعب رياضة التايكواندو أما الآن فهي مقعدة على كرسي، عوضا عن عدم معرفتي بالأساس الجلوس على الكرسي المتحرك، إلا أن اختصاصية العلاج الطبيعي التي كانت تأتيني للمنزل شجعتني على الخروج من الحالة النفسية التي كنت بها، وكانت تذكرني دائما بحلمي بأني سأصبح معلمة ويجب علي أن أتغير.
كما اقترحت علي نشر قصتي وما عانيت منه على مواقع التواصل الاجتماعي لتكون حافزا للآخرين، حيث قررت بعدها نشر قصتي عبر
صفحتي في “الانستغرام” وتفاجأت بردود المتابعين الإيجابية ودعمهم وإخبارهم لي بأني فرد من المجتمع، وبفضل ذلك تمكنت من كسر الحواجز التي وضعتها أمامي والخروج لمقابلة الناس والالتحاق بمختلف الفعاليات.
* هل كان لوضعك الصحي علاج خارج مملكة البحرين؟
- نعم، سافرت إلى المملكة العربية السعودية وبالتحديد إلى مدينة سلطان بن عبدالعزيز للخدمات الإنسانية في مدينة الرياض لمدة 6 أسابيع، واستفدت هناك من الرحلة العلاجية التي تلقيتها، كون المركز متخصص بعلاج الحالات التي تعاني من ذات وضعي الصحي، وكان علي الاستمرار للعلاج، إلا أن الرحلة العلاجية كانت مكلفة جدا ولم يستطع والدي تحملها.
* وكيف كانت متابعتك للدراسة حينها؟
- توقفت عن الدراسة لنحو شهر كامل، كوني كنت أرقد في المستشفى، وحاولت بعد ذلك العودة مرة أخرى للدراسة، ولكن كان هناك العديد من الصعوبات كون أن المواد قد تراكمت علي، إلى جانب عدم استطاعتي الجلوس وفتح الحاسوب والاستماع للمحاضرات، كذلك الأصوات والتي بحسب وضعي الصحي حينها تشكل إزعاج بالنسبة لي.
* وهل كانت هناك أي مساعدة من قبل المعلمين من أجل تمكنك من متابعة الدراسة؟
- نعم، كان هناك تساعد كبير من قبل المعلمين في الكلية، حيث كانوا متعاونين مع والدتي وزملائي في شرح الدروس وحل الواجبات وعمل المشاريع الواجبة، خصوصا عندما يعلمون بأني على كرسي متحرك، حيث أني أول حالة لطالبة مقعدة في الكلية، والحمد الله تمكنت من إكمال الفصل الدراسي.
* كيف تمكنتي من التغلب على خوفك من نظرة اقرانك الطلاب بعد عودتك على المقاعد الدراسية؟
- للأمانة جميع اقراني دعموني كل الدعم خلال الدراسة وقت جائحة كورونا، أما في وقت الدراسة الحضورية كنت متخوفة قليلا من نظرتهم، لأن آخر مرة شاهدوني فيها قبل الجائحة كنت بحالة طبيعية، لكن اهتمامهم ودعمهم ومساعدتهم لي جعلتني اتغلب على هذا الخوف فكل الشكر والحب لهم.
وقد لاحظ أقراني جميعهم مدى إصراري على مواصلة درب العلم معهم؛ بل كانت رغبتي في تحقيق النجاح أشد من تلك التي لدى البعض منهم، وسرعان ما تلاشى خوفي من نظرات وتساؤلات الآخرين عندما حولتها إلى مجرد فقاعات لا تذكر وأوراق تتلاشى في مهب الريح، وكنت المبادرة والشغوفة في التعلم ولم أجعل من الكرسي المتحرك سوى وسيلة وليس عائقا أمام طموحي التي وضعتها نصب عيني بأن أكون أو لا أكون فقررت أن أكون سارة المعلمة والملهمة في آن واحد.
* ما ردود الفعل التي تلقتها سارة من طلابها خلال فترة التدريب العملي في المدارس في العام 2022؟
- تخوفت في بادئ الأمر من الفترة التدريبية في مدارس البحرين التابعة للكلية، وبكيت ولم أرد التدريب ولا مقابلة الطلاب، خوفًا من نظرة الطلاب لي بأني معلمة وعلى كرسي متحرك، وهو أمر جديد بالنسبة لهم.
ولا أخفيكم بأني فكرت بالخروج من الكلية بالأساس، إلا أن كل ذلك تغير عند رؤيتي للطلاب والطالبات وتفاعلهم معي ومحبتهم وصفاء ونقاء قلبهم، إلى جانب محبتهم لي كما أنا بالداخل وليس بالشكل الذي أنا عليه.
* ما أبرز الصعوبات التي واجهتها خلال مسيرتك الدراسية في الكلية؟
- تعارض أوقات علاجي الطبيعي مع أوقات محاضراتي الدراسية، فكلاهما لهما الأهمية والأولوية على الأمور الأخرى، علاوة على صعوبة التنقل بين صفوفي الدراسية وما بين الطوابق في الكلية.
* وهل حصل لك موقف في الكلية ولم تستطيعي التعامل معه؟
- نعم، في أحد الأيام رن جرس إنذار الحريق في الكلية، وكنت في صفي الدراسي في الطابق الثاني ولم أستطع النزول من المصعد الكهربائي كونه متوقفا عن العمل، وما كان من الطلاب إلا أن قاموا بحملي بالكرسي المتحرك من الطابق الثاني نزولًا إلى الطابق الأرضي، وقد تعاونت معي عميدة الكلية وأصدرت أمر بعد ذلك الموقف بأن تكون جميع محاضراتي في الطابق الأرضي.
* كيف كان للمرض دور في تغيير شخصية سارة؟
- غيرت الفترة الماضية من شخصيتي وجعلتني صبورة أكثر وأن أرى الناس بمنظور آخر، فكنت أرى الناس قبل مرضي بناء على هيئتهم الخارجية، أما الآن فأرى الناس بناء على جوهرهم الداخلي، كما ساعدتني هذه الفترة الصعبة بأن أتغلب على خجلي وأن أكون جريئة أكثر وأتحدث أمام الناس بكل طلاقة، والذي كان يشكل حاجز كبير بالنسبة لي في الماضي.
* وما أبرز الإنجازات التي حققتيها في الفترة الماضية؟
- شاركت كمسعفة في فريق أكاديمية المسعفين وما زلت مستمرة معهم، وأطمح بأن أكون أول مدربة إسعافات أولية على كرسي متحرك في البحرين، كما أنني كسرت حاجز الخوف الذي كان يؤرقني بالسابق، وشاركت بإلقاء شعر أمام مئات الطلاب في الجامعة في احتفالات العيد الوطني.
* كيف دافعت سارة عن طموحها بشراسة ضد من حاول إيقافها؟
- كانت معركة شرسة بين سارة ومن حاولوا إيقافها وها قد أخيرًا انتصرت، فمن هذا المنبر توجه سارة رسالة شكر لكل من كان له السبب بأن يحاول إيقافها لأن هذا ما زادها إلا إصرارًا وعزيمة ولولا محاولاتهم التي باءت بالفشل، لما أصبحت سارة مصرة أكثر وأكثر للوصول لطموحها وإزالتهم من طريقها والنجاح وهذه القوة والصبر والتحمل ورثته من صبر والدتي التي كانت هي الجندي المجهول في معركتي مع نفسي ومع وضعي الجديد.
ولا ننسى التوكل على الله والدعاء والثقة بأن الله مع العبد ما دام العبد معاه.
* ما طموحات سارة المستقبلية؟
- أعتقد أني وصلت لبعض طموحي وهو التخرج من كلية البحرين للمعلمين وأن أصبح أول طالبة على كرسي متحرك تتخرج منها، وهذا بحد ذاته إنجاز يذكر في تاريخ الكلية، وأطمح في المستقبل القريب بإكمال مسيرتي التعليمية والحصول على شهادة الماجستير في التربية الخاصة من أجل التعمق بها أكثر.
كما أسعى لبناء جيل واعي ومثقف يؤمن بأن كل إنسان على وجه الأرض بالرغم من اختلافه يستطيع أن ينجز ويساهم في بناء المجتمع.
* ما الرسالة التي تسعين لإيصالها لعموم الناس؟
- تثقيف عموم الناس عن مرضي “التهاب النخاع المستعرض” وما هي أعراضه، إلى جانب نشر رسالة بأن أي شخص على كرسي متحرك هو شخص طبيعي، وليس مختلفا عن باقي البشر.
كما أشجع الناس على السعي لتحقيق طموحهم وأهدافهم بكل شراسة مهما كانت العقبات والمعوقات أمامهم، وعدم الاستماع لكلام الناس، إلى جانب التحلي بالثقة بالنفس والصبر والأمل.
