مهرجان كان السينمائي 2024:
كابولا.. يكتب وصيته في (Megalopolis)
فرانسيس فورد كابولا.. كل يكفي؟ أم نزيد؟ لا بل نزيد، فنحن أمام قامة سينمائية شامخة ومسيرة عامرة بالإنجازات والتفرد، ويكفي أن نشير إلى أن الرجل قدم للسينما تحف خالدة مثل (العراب – أربع اجزاء) و(ابوكاليبس ناو – نهاية العالم) و(المحادثة) و(نادي القطن) وغيرها وهو يعود إلى السينما بعد غياب طويل، مشيرين إلى أنه يحضر لتجربة السينمائية (ميجالوبولس) منذ أكثر من 40 عاما حيث عانى الكثير من الإشكاليات المالية لتأمين إنتاجه وصولا إلى بيع مزرعته وأيضا استديوهات زيتون التي يمتلكها وعدد آخر من الأصول العقارية والتجارية. علما بأن كلفة الإنتاج تجاوزت ال 120 مليون دولار.
واليوم، يبدو أن الرجل البالغ من العمر 88 عامًا يضع كل ما لديه على الطاولة للمرة الأخيرة، مع ملحمة الخيال العلمي التي طال انتظارها.
Megalopolis والتي عرضت مساء الأمس لأول مرة في مهرجان كان السينمائي. ولا يمكن لأحد أن يصدق أن هذا قد حدث: لقد ظل كوبولا يحاول إنتاج هذا الفيلم لأكثر من 40 عامًا، مر خلالها المشروع بعدد لا يحصى من عمليات إعادة الكتابة والتأخير والبدايات الخاطئة. إنه موجود الآن فقط لأنه باع جزءًا من ممتلكاته الناجحة في مصنع النبيذ لتمويل الفيلم عندما لم يفعل ذلك أي شخص حيث المغامرة مشرعة الابواب.
وحينما يأتي الفيلم نحن وبصورة قريبة من الواقع أمام ما يشبه الوصية التي قال بها كابولا الكثير، بل أكثر مما قاله في النسبة الأكبر من أعماله حيث ضخامة الإنتاج وحضور الجانب الفلسفي.
المحور الدرامي للفيلم يتحرك حول حادث كوني يدمر مدينة متدهورة تسمى روما الجديدة، ويهدف سيزار كاتيلينا (ادم درايفر )، المهندس المعماري المثالي الذي يتمتع بالقدرة على التحكم في الوقت، إلى إعادة بنائه باعتباره مدينة فاضلة مستدامة، في حين تظل معارضته، العمدة الفاسد فرانكلين شيشرو(جينكارلو اسبوسيتو )، ملتزمة بالوضع الراهن التراجعي. وفي المقابل نرصد حالة التمزق بينهما عبر شخصية جوليا (ناتالي ايمانويل ) ، ابنة فرانكلين الاجتماعية، التي سئمت من التأثير الذي ورثته، وتبحث عن معنى حياتها . وتتداخل الحكايات عبر فضاء من الخيال العلمي والعوالم التي تدهشنا لذهابها الى المستقبل رغم اسقاطاتها على اللحظة التي تعيشها الولايات المتحدة الاميركية من صراعات سياسية واقتصادية واجتماعية، وحول سيزار زوجته وابناء عمومته الذين يحاولون السيطرة على الجانب الاقتصادي المتمثل بالبنك الذي يقدم الاسناد المالي لكافة المشاريع والمنجزات المدهشة التى راح يحققها سيزار . كل العلاقات في فيلم كابولا الجديد تحكمها صراعات ومصالح اقتصادية بحته الا تلك العلاقة التي تجمعه مع جوليا التي تدير ظهرها لوالدها من اجل حبها الكبير حتى تحمل منه طفلا هو الحلم والامل للمستقبل . ولكن كل ذلك لا يستطيع الصمود امام مراجل الحقد والاطماع والكراهية سواء من زوجته (واو بلاتينيوم – اوبري بلازا ) او ابناء عمومته ومنهم كلاوديو (شيا لابوف ) والعمدة الفاسد وغيرهم حيث يتعرض سيزار للقتل، ولكنه ينجو ويتم شفاؤه ويبدأ مشواره من جديد من اجل المحافظة على تلك المدينة الفاضلة الغارقة في الفوضى والدمار، في فيلم – ميجالوبولس - وكان كابولا يكتب وصيته التى تأتى ثرية بالمضامين الفلسفية واستدعاء للتاريخ بالذات تاريخ روما وحالة الفوضى التي عمتها اثر اطماع اسيادها من التجار والسياسيين .
في الفيلم الكثير من الروحانيات والدعوة الى التسامح والمحبة واستحضار الاديان السماوية الثلاثة الكبري (الاسلام والمسيحية واليهودية ) ورهان متجدد على ذلك الطفل الذي يمثل المستقبل . وجريا على عادته فان كابولا حينما يذهب الى الفعل السينمائي فانة يستحضر التاريخ والفلسفة والحضارات والصراع الانساني عبر رموز ودلالات تظل حاضرة وكأنها تمنح المشاهد اشارات تضئ له الطريق وتوضح المعاني والرموز . الاخراج عند كابولا ليس مجرد كاميرا تفتح على نجوم وشخصيات واحداث، بل هو استحضار لتاريخ البشرية وحاضراتها وثقافاتها . وهو يعتمد في الغالب على سيناريوهات يقوم بكتابتها.
فيلم كابولا الجديد قصيدة سينمائية تتطلب الكثير من الهدوء والتانى والبحث والتحليل والغوص في تفاصيل الشخوص والصراع والتقاط الاشارات والدلالات والرموز في هذا الفيلم يستدعي كابولا عدد من رفاق دربة ونجومه ومنهم تاليا شير ودستين هوفمان وان ظل الحضور العالي الكعب لجيل من النجوم الشباب ونخص ادم درايفر وناتالي ايمانويل، ميزانيات ضخمة صرفت على الازياء والديكورات والمؤثرات والكومبارس وايضا النجوم، وحتى لا نطيل نكرر ، كابولا في ميجالوبولس يكتب وصيته السينمائية عبر قصيدة ستظل الاجيال تتوقف عندها طويلا لانها وباختصار شديد تحفة عالية المستوى علينا ان نكون بمستواها حتى ندركها .