بالفيديو: الاقتصادي الكبير جميل أمين وفا في حديث الذكريات مع “البلاد”: فخور لأنني بدأت من “الصفر”... وللبحرين “دين” عليّ
-
المغفور له بإذن الله سمو الأمير خليفة بن سلمان أسس رؤية “انطلاق الاقتصاد”
-
صداقتي بالمرحوم سمو الشيخ محمد بن خليفة مهدت لإنشاء شركة برأس مال 120 ألف دينار
-
اشترينا 10 طائرات بوينغ 737 بمبلغ 100 مليون دولار وسعر الواحدة منها اليوم 37 مليون دولار
أحاديث الذكريات مع الشخصيات الرائدة لها جوهر فريد من تألق البدايات والروايات والحكايات والإنجاز، وربما من الصعب أن تكون لها نهايات، وفي ضيافة شخصية اقتصادية كانت ولا تزال تطبع بصماتها في ميادين وقطاعات متعددة منذ أوائل السبعينات، حيث حقبة الطموح نحو المستقبل في فترة صعبة ومبشرة في آنٍ واحد إلى الآن، وكذلك... حيث الخبرة والحكمة والسجل الذي يحمله رجل الأعمال جميل أمين وفا كواحد من الرواد الذين شغلوا ودفعوا عجلة الاقتصاد البحريني نحو آفاق أرحب.

اللقاء الأول... الفكرة الأولى
هنا، في هذه الضيافة والحوار تسعد صحيفة “البلاد” أن تنتقل مع الضيف الكريم “بورمزي” عبر محطات لها إشعاعها الخاص:
أود أن أتقدم بجزيل الشكر إلى إدارة صحيفة البلاد الفتية، وأقولها “فتية” بكل ما في الكلمة من معنى، وفوجئت باتصال من أخي الأستاذ عبدالنبي الشعلة طالبًا إجراء هذا اللقاء، وأنا أرحب بكم وحياكم الله، وسأكون صريحًا معكم.
لك جزيل الشكر العم بورمزي، ويبدو أن المحطات كبيرة والعمل الدؤوب استمر منذ أوائل السبعينات، لكن لو عدنا إلى “آنذاك”، ما هي الأفكار التي كانت مدونة على مكتبكم للانطلاق؟
جئت إلى البحرين في العام 1971 من لبنان التي كنت أعمل فيها كأول مدير عربي لشركة الخطوط البريطانية، وقبلها بحوالي 10 سنوات، عملت في الكويت منذ أن كنت في الثامنة عشرة من العمر وكان راتبي في شركة يوسف أحمد الغانم 300 روبية “أي 8 جنيهات”، وبهذا بدأت من الصفر، وأن فخور لأنني بدأت من الصفر.
عندما كنت في لبنان، تعرفت إلى المغفور له بإذن الله تعالى سمو الشيخ محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه وأتذكر أن الأخ حسين جناحي كان معه في ذلك اللقاء، وارتبطت بعلاقة صداقة معه رحمه الله كانت بداية التفكير في إنشاء شركة تجارية في البحرين برأس مال 120 ألف دينار موزعة على ثلاثة شركاء، ولكوني وقتها أحمل خبرة طويلة في مجال السفر والسياحة، بدأنا العمل في مكتب السفر، وكانت البداية صعبة حيث واجهنا العديد من المصاعب، وأتذكر أنه في بداية عملنا في مكتب الشركة بعمارة هلال المطيري، تلقيت نبأ احتراق المكتب وكنت في زيارة للنمسا حينها، وفور عودتي بدأت في إعادة ترتيب خطوات العمل لا سيما وأن بعض الإخوة ممن كانوا لا يريدون لي العمل، اعتقدوا أنها بداية نهاية جميل وفا... أي أن احتراق المكتب هو النهاية.
الخسارة... أن تقع وتنهزم!
هي ذكريات، لكن، هل تأثرت حينها مما سمعت؟
تأثرت مما سمعت، لكنني عاندت وقررت أن أقف على رجلي لأن النجاح بالنسبة لي ليس فقط إنجاز عمل، بل الخسارة هي أن تقع وتبتعد منهزمًا، ولهذا واصلت بإصرار رغم وقوعي قرابة 4 مرات لكن الهزيمة لم تهدّني ولم تكسر عزيمتي حيث كان دافعي هو أن أواصل إنشاء الشركة وفق ما كلفني به المرحوم الشيخ محمد، وحتى بعد أن بدأت العمل في مكتب السفريات، وجدت من يحاربني حتى لا أحصل على تراخيص بدء العمل... لم تكن هناك سوى 3 مكاتب سفر عاملة في ذلك الوقت، لكن بعد أن افتتحت الشركة، ارتفع العدد كثيرًا حتى وصل إلى 160 مكتبًا، والعناد دفعني للنجاح وللبداية الطيبة، التي جعلتنا نفكر في الحصول على وكالة شركة “سيمنز” الألمانية والتي من خلالها زوّدنا محطة الرفاع للكهرباء بأول طوربيد بقوة 250 كيلوواط، وكما تعلمون فإن البحرين آنذاك تحت الحماية البريطانية ولم تكن مستعمرة، إلا أنه في العام 1971 زار البحرين السير وليام لوس والتقى بالمغفور لهما بإذن الله سمو الشيخ عيسى بن سلمان وسمو الشيخ خليفة بن سلمان طيب الله ثراهما، وكان اللقاء في مكتب المعتمد البريطاني من أجل ترتيب استقلال البحرين، وفي ذلك الوقت، قررت الحكومة تأخير إعلان الاستقلال إلى الخامس عشر من ديسمبر ليصادف مناسبة مهمة وهي ذكرى يوم ميلاد سمو الشيخ عيسى وكذلك ولاية العهد وتتزامن معها ذكرى الاستقلال، أي ثلاث مناسبات مثلت اليوم الوطني للبحرين.

الفرق شاسع بالملايين
وبالمناسبة، كان المتفق بالنسبة للطوربيد هو أن يكون بقوة 50 كيلوواط، لكن شركة سيمنز قدمت عرضًا مميزًا لأن يكون أكبر أي بقوة 250 كيلوواط، هذا من ناحية، ومن ناحية العمل في مشروع المطار، فقد كان تحت إدارة بريطانية بالتعاون مع مؤسسة يوسف بن أحمد كانو، وهيأ الاستقلال للبدء في مشروعات كثيرة وحينها اقترحت أن يكون المطار تحت إدارة حكومة البحرين وهذا ما حصل، وأتذكر أن أغلب وكالات السفر كانت متعاقدة مع الخطوط الجوية البريطانية وكان اسمها في ذلك الوقت “غلف افييشن”... أتذكر أيضًا أنه كانت لديهم طائرة بمحركين ولا تطير بين الساعة الواحدة والثالثة ظهرًا بسبب حرارة الطقس في هذه الفترة، وبعد ذلك أنتجت شركة “بوينغ” أول طائرة نفاثة وهي “737” وأصبحنا نحن الوكلاء، وسعيت لأن تشتري البحرين تلك الطائرات ووافق سمو الأمير خليفة بن سلمان رحمه الله واشترينا 10 طائرات بكلفة 100 مليون دولار ولك أن تتخيل أن سعر الواحدة منها اليوم يصل إلى 37 مليون دولار فالفرق شاسع جدًّا.
اتجهنا أيضًا لفتح خطوط جديدة لشركات طيران أميركية وفرنسية، وكانت الشركات الأميركية متعاقدة مع الخطوط الجوية البريطانية، ومع نمو شركة طيران الخليج التي كان يرأسها في ذلك الوقت الكابتن ألين بودجر، قرر مجلس الوزراء تعيين مسؤولين عرب في الشركة، ولأنني كنت رئيسًا للمبيعات في الخطوط البريطانية وأمتلك خبرة طويلة تم تعييني مع المرحوم فؤاد حبيبي كمدير للعمليات وتولى القطاع المالي، عدنان بسيسو.
الجواب عند “جميل”
عم بورمزي، بين العناد والطموح والمصاعب، كيف كانت رؤية الدخول في أكثر من مجال في تلك الفترة؟
كانت الفرص والآفاق أمام البحرين كبيرة وواسعة، والفرص في عدد يسير من المنافسين كاحتكار، والاحتكار ليس محببًا في أي مجال ما دام مفتوحًا ويتيح شراكات لا تضايق الغير، وهذا الانفتاح ميزة للبحرين، وبالمناسبة، التقيت قبل فترة وجيزة بصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله وتحدثنا عن المنافسة الحيوية، فأبلغته أن سمو الأمير خليفة بن سلمان رحمه الله كان يدفعنا حيث كان يمتلك رؤية بعيدة وقدم الكثير لهذا الوطن، وتطورت معرفتي وخبراتي من مرافقتي له فقد كان يسافر كثيرًا ويصور ويدون الملاحظات وعقله يعمل، ومن هنا وجدت نفسي جزءًا من اقتصاد البحرين وأنا في الحقيقة مدين للبحرين.
ولي الشرف أنني تعرفت على سموه حين كنت رئيسًا للجنة الآباء والطلبة في بحرين سكول، فأنا من المؤسسين الأوائل للمدرسة الأميركية وكان طالبًا في المدرسة، وفي أحد لقاءات المجلس سأله الصحافي سلمان العجمي عن رعايته لفعالية المجلس: “هل ستكون هذه الرعاية سنوية؟”، فأشار إليه سموه لأن يسألني وقال له “الجواب عند جميل”، وبالفعل، استمر اللقاء وفي السنة التالية حجزنا مساحة أكبر، والخلاصة هي أنه حين تكون مخلصًا للبلد فلا تتوقف ولا تنكسر وإذا سقطت مرة لابد من أن تقف، ولا يجب أن تيأس وتفشل في حال الهزيمة مرة أو مرتين.
يد الله مع الجماعة
إلى أي مدى كان دافع البحث عن ميادين اقتصادية نشطة بعيدًا عن الاحتكار؟ وهل هناك في الذاكرة شخصيات ومعارف كانوا مهتمين بهذا الاتجاه؟
بالطبع لا نريد الحديث عن الماضي بتوسع، إلا أنه بالإمكان القول إن الاحتكار في ذلك الوقت كان يصب في عدم رغبة البعض في المنافسة، وأنا أقول إن يد الله مع الجماعة، وأستدرك هنا لأقول إن علاقتي في البحرين سبقت قدومي إليها، فقد عشت في الكويت 11 عامًا منذ العام 1958 وأكرمتني أسرة آل الصباح بمنحي الجنسية الكويتية لهذا جئت ككويتي أنا وأسرتي، كذلك زرت سلطنة عُمان في العام 1955 وزرت أبوظبي التي كانت عبارة عن شارع واحد وكذلك دبي، فيما البحرين كانت المتطورة الأولى على مستوى الخليج، والكثير من المسؤولين الكويتيين والعمانيين درسوا في البحرين، وأيضًا، أول إذاعة وتلفزيون كانت الريادة للبحرين، لهذا كنا نعمل من أجل المزيد من التطور.
أكثر من 3 آلاف صورة
أصدرت كتاب “حياتي في صور” وقد وثق بعض التفاصيل... هل ارتبطت بفترة تستذكر فيها تحديات الأفكار؟
أرسلت لأخي الأستاذ عبدالنبي الشعلة نسخة من الكتاب ومحتواه من بين 3500 صورة في حوزتي، وللعلم، كنت أكتب التفاصيل خلف كل صورة للذكرى، ومنها نستلهم الأفكار أيضًا، فعلى سبيل المثال، ولأنني صاحب خبرة في السفر والسياحة غير التجارة، تعرفت على المرحوم طارق المؤيد وهو صديق عزيز رحمه الله، واقترحت عليه إنشاء مجلس أعلى للسياحة حيث كنت عضوًا في مجلس السياحة في لبنان وتم تكريمي من الجمهورية اللبنانية بوسام تطوير القطاع السياحي، وتم بالفعل، تم تشكيل المجلس الأعلى للسياحة واجتهدنا لتطوير الأفكار بوجود مندوبين من الجوازات والبلدية والقطاعات المهمة ليكون القرار في الاجتماع دون تأخير.
وأتذكر أن أول اجتماع للمجلس الأعلى للسياحة عقد برئاسة الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة، وعملت مع الأخ محمد بوزيزي لأن ندعو ممثلين من سلطنة عمان والإمارات وقطر لحضور الاجتماع لنعمل خليجيًّا معًا كيَدٍ واحدة، وهي فكرة المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان أيضًا في إنشاء شركة طيران الخليج.
الوصول إلى “هونولولو”
وبالنسبة للكوادر البحرينية ودخول “اتحاد الوكالات التجارية” أكثر من قطاع، فقد كانت رؤية المغفور له سمو الأمير خليفة بن سلمان، رحمه الله، أن ننطلق تجاريًّا ليس في السياحة والسفر وهي رغبة المغفور له الشيخ محمد بن خليفة كذلك، واستمر العمل بقوة حتى أصبح لدي مكتب في واشنطن، لوس أنجيلوس، لندن وكذلك في هونولولو وعملنا بكفاءة هناك وعدت للبحرين بعد غزو الكويت وما سببه من خسائر لنواصل العمل، والوصول إلى هونولولو لم يكن صدفة، فقد كنت وكيلًا لشركة الطيران الفرنسية وأعطوني وكالة لافتتاح مكتب في أي مكان، ومهد لنا ذلك لأن نجلب السياح من أوروبا، وحين فتحنا خط أورلاندو كان كل المسافرين إليها يحجزون عبر مكتبنا، وكذلك السفر من البحرين إلى أميركا.
ولهذا، يسرني أن أقول لكل البحرينيين: “كونوا فخورين بالعهد الزاهر لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، عاهل البلاد المعظم، وجهود صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظهما الله، وأتمنى أن أرى الكل، وفي مقدمتهم التجار ورجال الأعمال لأن يبذلوا جهدًا أكبر سعيًا لمزيد من تطور وتقدم مملكة البحرين”.