+A
A-

اقتصاديون لـ “البلاد”: ميزانية السعودية تحولات مهمة في الإدارة المالية وتطلعات طموحة

تمثل ميزانية المملكة العربية السعودية للعام المقبل التي تم إقرارها يوم الأربعاء الماضي تطورًا مهمًا في الإدارة المالية، وتتسم بالعديد من الجوانب البارزة والتحولات فيما يتعلق بالإيرادات والمصروفات، مما يعكس التطلعات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المملكة. إحدى أبرز النقاط في هذه الميزانية ارتفاع الإيرادات المتوقعة إلى 1.172 تريليون ريال، مقارنة بـ 1.130 تريليون ريال في العام السابق، يُعزى هذا الارتفاع إلى التحسين المتوقع في أسعار النفط وتحسن الأوضاع الاقتصادية العالمية.
مع زيادة الإيرادات، تتزايد أيضًا المصروفات المقدرة في الميزانية، حيث تصل إلى 1.251 تريليون ريال مقابل 1.114 تريليون ريال في العام السابق، ويُشير هذا الارتفاع في المصروفات إلى التزام المملكة بدعم النمو الاقتصادي وتعزيز الخدمات العامة، بما في ذلك الاستثمار في البنية التحتية وتحسين قطاعات مختلفة من الاقتصاد.
ومع زيادة المصروفات أكثر من الإيرادات، ينتج عن ذلك عجز في الميزانية بلغ 79 مليار ريال، يُعد هذا العجز تحولًا مهمًا بعد أن كان هناك فائض بقيمة 16 مليار ريال في العام السابق، وتتطلب إدارة العجز بحكمة لضمان استدامة الأوضاع المالية وتحقيق التوازن بين دعم النمو والحفاظ على الاستقرار المالي.
تعليقًا على الميزانية، تواصلت “البلاد” مع عدد من خبراء الاقتصاد لأخذ آرائهم حول هذه الميزانية، حيث أشار الخبير الاقتصادي وعضو مجلس الشورى السابق من المملكة العربية السعودية إحسان علي بوحليقة إلى أن من أهم ما حققته “رؤية السعودية 2030” هو فك مساري القطاع النفطي عن القطاعات غير النفطية، وقد تجسد ذلك أثناء جائحة كوفيد وما بعدها، لاسيما في العامين (2022 - 2023)، ودلالة على ذلك أن القطاع النفطي ينكمش في حين يتسع القطاع غير النفطي بحسب الرسم البياني أدناه والمأخوذ من الهيئة العامة للإحصاء والإشارة الحمراء مؤشر معدل نمو القطاع غير النفطي ربعيًا.
 وأضاف “رغم تحديات إيرادات النفط، الذي تراجع إنتاجه منذ الربع الثالث 2023 إلى 9 ملايين برميل، بعد أن كان المتوسط منذ بداية العام أعلى من 10 ملايين، الأمر الذي أثر سلبًا على إيرادات الخزانة العامة (- 104 مليارات ريال)، وعلى نمو الناتج المحلي الإجمالي، حيث تباطأ من 8.7 % العام 2022 إلى 0.03 % العام 2023، إلا أن الإنفاق الحكومي يحافظ على مستواه في العام 2024 (1.251 ترليون ريال)، زادت المصروفات الرأسمالية 42 % في العام 2023 مقارنة بالعام 2022، ومستمرة لعام 2024 وذلك إمعانًا في زيادة سعة الاقتصاد المحلي”.
 بدوره، بين رئيس قسم الاقتصاد في جامعة الملك سعود عبدالله المالكي في تصريح خاص لـ ”البلاد” أن الاقتصاد السعودي يمر بمعدلات نمو جيدة ومتوازنة في الناتج المحلي الإجمالي مصحوبة بمعدل تضخم منخفض ومعدل نمو ملموس في إيرادات القطاعات غير النفطية (متوسط النمو المتوقع على المدى المتوسط 6 %)، وارتفاع في معدلات التوظيف وانخفاض في معدل البطالة، في الوقت الذي تعاني فيه معظم الاقتصادات في العالم من معدلات منخفضة في النمو وارتفاع ملموس في معدلات كل من التضخم المالي ومعدل الفائدة، ما أدى إلى ركود اقتصادي في بعض الدول الأخرى. 
ولفت إلى أن الإيرادات قدرت بمبلغ 1172 مليار ريال ونفقات تقدر بـ 1251 مليار ريال وعجز متوقع بمبلغ 79 مليار ريال سعودي، وذلك بانخفاض مقداره 3 مليارات (3.7 %) عن العام الماضي 2023، وزادت النفقات التقديرية بشقيها الرأسمالي والجاري للعام المالي المقبل 2024 بمقدار 137 مليار ريال (أي بمعدل 12.3 %) عن العام 2023، في حين من المتوقع انخفاض الإيرادات التقديرية بمقدار 21 مليار ريال (أي بمعدل انخفاض يصل إلى 1.8 % تقريبًا). 
وأوضح المالكي بالنسبة لأداء النشاط الاقتصادي فقد قدر الناتج المحلي الإجمالي الاسمي GDP بمبلغ 4261 مليار ريال وبمعدل نمو يقدر بـ 4.4 % في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي للعام المقبل 2024 والمقدر بـ 4136 مليار ريال (ومعدل نمو 0.03 %)، هذا النمو في الأداء الاقتصادي مصحوب بانخفاض متوقع للتضخم من 2.6 % 2023 إلى 2.2 % في عام 2024 (أي بمعدل انخفاض متوقع يساوي 15.4 %).
وذكر أن تقديرات وزارة المالية تشير إلى انخفاض متوقع في الدين العام كرقم مطلق من 1024 في عام 2023 إلى 1103 في عام 2024 (أي بمعدل – 7.7 %، في حين من المتوقع أن ترتفع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 24.8 في عام 2023 إلى 25.9 % في عام 2024، ويعود ذلك إلى الاستمرار في التوسع في الإنفاق الحكومي خصوصا الإنفاق الرأسمالي (15.1 % من إجمالي النفقات، و4.4 كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي وبمعدل نمو متوقع 20.4 %)، لاستكمال المشروعات الاقتصادية الكبيرة التي تقوم المملكة العربية السعودية بتنفيذها في مناطق عدة لتطوير البنية التحتية تحقيقًا لمستهدفات رؤية المملكة 2030 الطموحة، والتي تهدف إلي تنويع مصادر الدخل القومي من خلال استغلال الموارد الاقتصادية في القطاعات المختلفة خصوصا الواعدة منها مثل الصناعة والتعدين والسياحة والفندقة والضيافة والترفيه والرياضة وغيرها، مؤكدًا أن ارتفاع نسبة الدين وارتفاع الواردات خلال هذه الفترة غير مقلقة؛ نظرًا لأنها تذهب إلى إنفاق رأسمالي يعزز النشاط الاقتصادي. 
أما فيما يتعلق بمجالات الإنفاق على القطاعات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة فقد تراوحت التقديرات للمخصصات المالية بين 269 مليار ريال للقطاع العسكري كأعلى مبلغ و38 مليار ريال كمخصص لقطاع التجهيزات الأساسية والنقل، في حين حظيت بقية القطاعات السبعة على مخصصات مالية كالتالي: البنود العامة 216 مليار، الخدمات الصحية والتنمية الاجتماعية 214 مليار، قطاع التعليم 159 مليار، قطاع الأمن والمناطق الإدارية 112 مليار، قطاع الموارد الاقتصادية 84 مليار، الخدمات البلدية 81 مليار وأخيرًا قطاع الإدارة الحكومية 43 مليار ريال سعودي.
في السياق ذاته، أوضح وزير المالية محمد بن عبدالله الجدعان أن الحكومة تستهدف في ميزانية العام 2024م التوسع في الإنفاق الاستراتيجي على المشروعات التنموية وفق الاستراتيجيات الوطنية المعتمدة، المتوائمة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 والتوجهات الوطنية، مؤكدًا استمرارها في تنفيذ البرامج والمشروعات ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إضافة إلى دعم التنوع الاقتصادي وتمكين القطاع الخاص بتحسين وتطوير بيئة الأعمال؛ لرفع جاذبيتها، وتعزيز معدلات النمو الاقتصادي.
وفي حديثه، عن تحديات الاقتصاد العالمي، أشار إلى أنه برغم استمرار حالة عدم اليقين، إلا أن تراجع معدلات التضخم العالمية بوتيرة أسرع من المتوقع يعد من أبرز العوامل الإيجابية التي قد تحسن من أداء الاقتصاد العالمي، مما يحفز أسواق الاستثمار ويحافظ على معدلات البطالة عند مستويات منخفضة، وينعكس إيجابًا على اقتصاد المملكة.
ولتلبية الاحتياجات التمويلية، بين أن الحكومة تهدف إلى الاستمرار في عمليات التمويل المحلية والدولية بهدف تغطية العجز المتوقع في ميزانية عام 2024م وسداد أصل الدين المستحق خلال العام 2024م وعلى المدى المتوسط، واغتنام الفرص المتاحة حسب ظروف الأسواق المالية؛ لتنفيذ عمليات التمويل الحكومي البديل التي من شأنها تعزيز النمو الاقتصادي مثل تمويل المشروعات التنموية والبنية التحتية، متوقعًا أن يبلغ حجم الديـن العـام 1،103 مليــار ريــال (ما يعادل 25.9 % مـــن الناتـــج المحلــي الإجمالي) فـــي العـــام 2024م مقارنــة بـ 1,024 مليــار ريـال (مـا يعـادل 24.8 % مــن الناتــج المحلــي الإجمالي) للعام 2023م.
ولفت إلى أن التقديرات الأولية في عام 2023م تشير بوضوح إلى نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.9 %، مشيرًا إلى أن جهود الحكومة المتواصلة لتطوير سوق العمل ساهمت في توطين الوظائف النوعية وتوفير الوظائف المستدامة، حيث بلغ إجمالي الوظائف التي أضافها القطاع الخاص في الاقتصاد السعودي بنهاية الربع الثالث من العام 2023م نحو 1.122 مليون وظيفة، مما انعكس على انخفاض معدلات البطالة بين المواطنين إلى 8.3 %.
وأضاف “أن هذا الانخفاض تزامن مع النمو المستمر والمتسارع الذي شهده القطاع الخاص منذ انطلاق رؤية السعودية 2030 التي تهدف إلى توفير البيئة المحفزة والممكنة له عبر العديد من الخطط الاستراتيجية والمبادرات الداعمة، والتي ساهمت في دعم القطاع والمنشآت الصغيرة والمتوسطة وخلق فرص جديدة للمواطنين، ومكنت سوق العمل من استيعاب المزيد من الكوادر البشرية السعودية”، مبينًا أن أكثر من 2.3 مليون مواطن ومواطنة يعملون في القطاع، وهو الرقم الأعلى تاريخيًا، كما بلغ معدل مشاركة المرأة في سوق العمل 35.3 % متجاوزًا مستهدف الرؤية في عام 2030م.