بدعوة كريمة من صحيفة "الرؤية" العمانية، سنحت لي فرصة المشاركة في "منتدى شركاء المسؤولية والاستدامة 2023 "، الذي نظمته الصحيفة بالتعاون مع " الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية".
ازدحمت جلسات المنتدى بالمادة الغنية التي احتوتها أوراقه، ونضحت بالتجارب الرائدة التي تحدث عنها المشاركون، يتقدمهم نخبة من الأكاديميين، وذوي الاختصاص، وممثلو منظمات دولية وإقليمية.
واختتم "المنتدى" أعماله بورشتي عمل تدريبيتين، قدّم الأولى منهما نائب رئيس الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية الأستاذ الدكتور علي آل إبراهيم، حملت عنوان "تصميم برامج الاستثمار المجتمعي وقياس مؤشرات الأداء". وانبرى للثانية، التي حملت عنوان "برنامج الاستثمار الاجتماعي في المنظمات"، رئيس المركز الأممي لخدمات المانحين بالشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية سعادة المستشار فايز العمري.
تناولت الورشتان، كل في مجال اختصاصها مجموعة من القضايا المفصلية، لكنهما، مقابل ذلك، اشتركتا في التركيز على مفهوم جديد واحد، هو "الاستثمار الاجتماعي" او "المجتمعي"، الذي أصبح اليوم في غاية الأهمية، ويحظى باهتمام متزايد من لدن الكثير من البلدان، من بينها من ينتسب إلى مصفوفة البلدان المصنفة في قائمة "العالم المتقدم".
وقد نجحت أعمال المنتدى بشكل عام، وما جاء في الورشتين على وجه الخصوص، في رسم معالم هذا النوع من الاستثمار الذي يصنف على أنه نهج جديد نسبيًا، بدأ يقتحم غرف واضعي الاستراتيجيات الاجتماعية والسياسات المرتبطة بها. وبدأ يستبدل تلك الاستراتيجيات التقليدية التي أن تنظر مخططاتها إلى الاستثمار في الناس، على انه مجرد وسيلة لتعزيز النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي.
وعلى هذا الأساس يستند الاستثمار الاجتماعي، في جوهره، على فكرة، قد تبدو للبعض بسيطة ومثالية، لكنها تصب في صلب العملية التنموية الباحثة عن التقدم والإنتاج والنمو. فيحتضن الاستثمار المجتمعي في أحشائه دعوة صريحة للحكومات، دون استثناٍء القطاع الخاص، تحثها على "خلق مجتمع أكثر إنتاجية وتماسكًا من خلال الاستثمار في التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، والرعاية الصحية، والتدريب على العمل، وغير ذلك من البرامج الاجتماعية".
وعى هذا الأساس اكتسب الاستثمار الاجتماعي مفهوما متعدد الأوجه، وتحول إلى منظومة متكاملة تعمل وفق نمط يدور حول فكرة أساسية تستند في مكوناتها الرئيسة على تخصيص الموارد والجهود لتعزيز رفاهية، وأكثر من ذلك. ومن هذا المنطلق الشمولي نكتشف أنه يشمل مجموعة من الاستراتيجيات المنطلقة من سياسات محددة تهدف إلى تحقيق نتائج مجتمعية إيجابية على المدى الطويل. ويميز الاستثمار الاجتماعي نفسه بنهجه الشامل والتحليلي والمنظم بدقة، والذي يتضمن تقييم الاحتياجات، وتحديد أهداف واضحة، ونشر الموارد بشكل استراتيجي، يتوخى قياس التأثير والانعكاسات.
لكنه في خضم كل ذلك البناء المبدع، يحافظ الاستثمار الاجتماعي على نهج متميز يشدد على الاستراتيجية طويلة الأجل المركزة على السياسات الاجتماعية المختلفة نوعيًا عن برامج الرعاية الاجتماعية التقليدية. ولذلك نجدها تحث على تغليب الوقاية بدلًا العلاج والاستثمار في إمكانات الناس بدلا من مجرد تزويدهم بشبكة تسيجهم بمقومات الأمان.
على نحو مواز نجد أن الاستثمار الاجتماعي يشدد على تجسيد الأدلة، أكثر من تلك التي تشير لها برامج الرعاية الاجتماعية التقليدية، ويعتمد على التحليل الدقيق لتكاليف وفوائد المدخلات المختلفة.
ولذلك نجح الاستثمار الاجتماعي في السنوات الأخيرة، في بناء أرضية صلبة عندما أدرك العديد من الحكومات أنه يمكن أن يكون وسيلة أكثر فعالية لتعزيز النمو الاقتصادي، والرفاه الاجتماعي، من برامج الرعاية الاجتماعية التقليدية. فوجدنا العديد من الحكومات، بما فيها تلك القائمة في المجتمعات المتقدمة، من أمثال المملكة المتحدة وكندا والسويد، تنفذ بالفعل برامج الاستثمار الاجتماعي. ومؤخرًا اكتسب الاستثمار الاجتماعي أنصارًا جدد انضموا إلى قائمة البلدان التي تفكر جديًا في الأخذ به.
بفضل كل ذلك تحول الاستثمار الاجتماعي، في جوهره، إلى نهج مدروس ومنظم يسعى لإحداث تغيير مجتمعي إيجابي من خلال معالجة القضايا بشكل منهجي، والاستفادة من الموارد ، وتعزيز التعاون.