من الطبيعي أن يكون تطور الاقتصاد العالمي نحو هجين متشابك من هذه الاقتصادات الثلاثة: الاقتصاد الرقمي والاقتصاد القائم على المعرفة والاقتصاد الشبكي. فمثل هذا الاتجاه هو محصلة منطقية لتطور تاريخي يقوم على تفاعل إيجابي معقد متكامل بين التقدم التكنولوجي، والعولمة، وتغيير سلوكيات المستهلكين، وأنشطة ريادة الأعمال، وبيئات السياسات الداعمة. وفوق هذا كله، تدلو التحولات النوعية التي شهدتها العلاقات الاقتصادية الدولية، التي سيطرت على مفاصل التبادل التجاري والتحويلات المالية بدلوها في توجيه الاقتصاد الدولي نحو ذلك الهجين الاقتصادي – المعرفي. ومن الطبيعي أيضا، توقع استمرار هذه الاقتصادات في التطور وتبادل التأثير على بعضها البعض، قبل الوصول إلى صيغة متكاملة تأخذ شكلها النهائي المستقر.
ولن يكون هذا المسار عشوائيا، ولن يسير في خط مستقيم. ولذا ينبغي أن يعزى ظهور التحول البنيوي الذي يتمظهر من خلاله المشهد الاقتصادي العالمي إلى عدة عوامل مترابطة، تتبادل التأثير فيما بينها، وفي صيغة متعددة الأبعاد، ومن أبرزها:
1. المعرفة والابتكار: فقد قادت الاستعانة بالمعرفة، والاعتراف المتزايد بها كمحرك رئيس للنمو الاقتصادي، وتفرعاته، إلى استثمارات مباشرة في مناهج التعليم وقنوات البحث العلمي واتجاهات التطوير. محصلة ذلك ازدهار الاقتصاد القائم على توليد المعرفة ونشرها وتطبيقها. وهذا بدوره يغذي عناصر الابتكار والإنتاجية وينمي القدرة التنافسية. فيتعزز انتشار المعرفة، مما يقود نحو نمو الاقتصادات القائمة على المعرفة والتشبيك.
2. العولمة: سهل تشابك العلاقات الدولية، وتجاوزها للمكان والزمان، عمليات التحول نحو العولمة. وعزز ذلك من الترابط بين الاقتصادات والمجتمعات في جميع أنحاء العالم. كما أدى تنامي وتيرة التجارة الدولية وزيادة تدفقات الاستثمارات الكونية، وانتشار شبكات الاتصالات إلى توسيع الأسواق. وسمح كل ذلك بتبادل الأفكار، التي قادت بدورها نحو الاقتصاد العالمي وتشبيك مدخلاته ومخرجاته على حد سواء.
3. التقدم التكنولوجي: ولدت التطورات السريعة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات قوة دافعة وراء صعود هذه الاقتصادات. وجاءت ولادة الإنترنت وتطور خدماتها، وانتشار الأجهزة المحمولة، وتنامي الاستعانة بالحوسبة السحابية، وتعدد أوجه استخدامات الذكاء الاصطناعي، وبروز الواقع الافتراضي ونظيره المعزز، إلى تسريع وتيرة الابتكارات الرقمية من الاتصال وتبادل البيانات والأتمتة بشكل غير مسبوق. أرسى ذلك أساسات راسخة للاقتصاد الرقمي، وسهل تكامل المعرفة والموارد في الاقتصادات القائمة على المعرفة والتشبيك.
4. الأهمية المتزايدة للتعليم: خطى التعليم بخطوات ثابتة على طريق الانتقال من المناهج التلقينية، والاتجاه نحو المقررات المرتكزة على إثارة التساؤل الاستقرائي في عقول متلقيها، فأصبح التعليم، بفضل هذا التحول، أكثر أهمية من أي وقت مضى في الاقتصاد القائم على المعرفة. واكتسبت مخرجاته قدرة تنافسية غير مسبوقة، ساهمت في التحول نحو الاقتصادات القائمة على المعرفة والتشبيك.
5. القوى العاملة الماهرة وريادة الأعمال: ولد المشهد الاقتصادي المتغير قوة متنامية فاعلة تتمتع بمحو الأمية الرقمية والخبرة التكنولوجية والقدرة على التكيف. وازدهرت ظاهرة ريادة الأعمال. فانعكس ذلك على قوى العرض والطلب في السوق. وآل كل ذلك إلى زيادة الطلب على المهارات والمعارف المتخصصة. وانعكس ذلك من جديد، وبشكل إيجابي على زيادة الاستثمارات في التعليم والتدريب، وانبثق من رحم ذلك اقتصاد ريادة الأعمال. فضاعفت كل هذه التطورات النوعية من سرعة الاندفاع نحو دفع الاقتصاد القائم على المعرفة.
ينبغي رؤية هذه التحولات التي قادت نحو الاقتصادات الثلاثة: الرقمي المعرفي والمشبك (بفتح الباء) في إطار ديناميكي غير ساكن. فهذه الرؤية وحدها تفسر تفاوت المسافات التي تفصل، ومن ثم تميز، بين الاقتصادات التقليدية، وغيرها من الاقتصادات الرقمية أو التشبيكية أو تلك القائمة على المعرفة.