يعكس حضارة ومكانة الدولة ويسطر التاريخ والثقافة والقيم
بوحسين لـ “البلاد”: البرلمان القبة الحديدية لحماية الوطن
ينبغي التحرك القومي الفعال وبناء استراتيجيات لحماية البيت العربي من التشتت
قال المستشار القانوني والمحكم الدولي محمد رضا بوحسين إن البرلمان هو القبة الحديدية التي تحمي الكيان الوطني وتعزز استقراره وسمعته ومكانته وبنيانه.
وأضاف “في ظل المتغيرات بالمجتمع الدولي، يمكن للبحرين الكبيرة في تاريخها، وعطائها ومكانتها أن تلعب دورا أكثر فاعلية في التوازنات الدولية”.
وأشار بوحسين بحواره الموسع مع “البلاد” إلى أن “وجود مملكتنا مع شقيقاتها دول الخليج ومع المنظومات الإقليمية لا شك يعزز من قوتها ومنعتها واستقرارها وقدرتها على تحدي المتغيرات ومعادلة التوازنات السياسية إقليميا ودوليا”.
وفيما يلي نص الحوار.
5 فصول تشريعية انقضت من عمر البرلمان، كيف تقرأ دوره كجهاز رقابي يمثل الإرادة الشعبية، ودور الرأي العام من ذلك؟
تعتبر الرقابة البرلمانية من أقدم وظائف البرلمان تاريخيًا، وأشهرها سياسيًا، إذ إنه المسؤول عن متابعة وتقييم أعمال الحكومة، بعملية رقابية على السلطة التنفيذية، لا تتم دون توازن في القوة السياسية بينهما، حتى لا تنقلب إلى سيطرة، وتصبح السلطة التنفيذية خاضعة تماما للبرلمان.
وبالتالي ينهار مبدأ الفصل بين السلطات الذي هو أساس الحكومات الديمقراطية وشرط الاستقرار السياسي.
وإن كان البرلمان كيانا يتمتع بسلطة الرقابة دون أن تكون عليه أي سلطة من الدولة، إلا أن هذا الكيان المهم يخضع إلى رقابة يمارسها الرأي العام، وقد تكون تلك الرقابة الاجتماعية على البرلمان موسمية أو تكون دائمة.
فالأولى تتم عند تشكيل البرلمان، وتتمثل في موقف الناخبين تجاه أعضاء البرلمان وقت الانتخابات، إذ يعتبر تجديد اختيار الأعضاء نوعا من الرقابة الدورية التي يمارسها الرأي العام على البرلمان.
أما الرقابة الدائمة فتتم طوال فترة عمل البرلمان، ويمارسها المجتمع من خلال وسائل الإعلام والمتابعة وقياس الإنجازات ودوره في حماية المصالح الوطنية، وهي نوع مهم جدا من الرقابة الشعبية على البرلمان.
برأيك، ما دور البرلمان في ظل التغيرات الإقليمية والدولية والأزمات الكبرى؟
التغيرات في المجتمع الدولي أمر متوقع مع تغير الأسباب، وبروز عناصر جديدة على المشهد الدولي، وأن هذا التغيير سيطال حتى الكيانات، والهيئات والمنظمات الدولية، بما في ذلك التركيب الهرمي، والقانوني للأمم المتحدة والقانون الدولي.
ومن أبرز الأدوات والكيانات الوطنية المؤثرة بهذا الشأن، هو المجلس الوطني بفرعيه مجلس الشورى ومجلس النواب، وهي الكيانات المعنية بالدرجة الأولى، بأن تقف على أرض صلبة للدفاع عن المصالح الوطنية في المجتمع الدولي، ويعمل بفاعلية بالأزمات الدولية الكبرى.
فالبرلمان يعتبر عملة وطنية ذا وجهين داخلي ودولي، وعليه على مستوى الداخل تحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه للشعب والقيادة والوطن، وأما على المستوى الدولي فعليه أن يقف بصلابة وحكمة في القضايا والأزمات الكبرى المتعلقة بالدولة وسيادتها وأمنها، ومصالحها الوجودية والقومية، وفق استراتيجيات وبرامج فردية وخليجية وإقليمية وعربية.
كيف تنظر لدور البرلمان بالشأن الخليجي والإقليمي، باعتباره خط الدفاع الأول عن المصالح الوطنية في مواجهة المتغير الدولي؟
البحرين مركز الحداثة والجذب، وتتمتع بإقليم جغرافي مميز، ولا شك أنها تكون أقوى شوكة، وأشد قوة عندما تكون بين شقيقاتها دول الخليج، وعندما تكون عنصرا ثابتا بالتحالفات الإقليمية، التي تحمل ذات الأهداف الاستراتيجية والطموحات التنموية والقومية.
وإن وجود مملكتنا مع شقيقاتها دول الخليج ومع المنظومات الإقليمية لا شك يعزز من قوتها ومنعتها واستقرارها وقدرتها على تحدي المتغيرات ومعادلة التوازنات السياسية إقليميا ودوليا.
ولعل أهم دور بارز يمكن أن يلعبه البرلمان في المرحلة المقبلة على المستوى الخارجي (لتعزيز مكانة البحرين خليجيا وإقليميا)، هو التحرك القومي الفعال وبناء استراتيجيات لحماية البيت العربي من التشتت، والانهيار، والفوضى من خلال خلق قواعد التعاون والمساندة الجماعية، لمواجهة التحديات والمخططات غير المعلنة.
وباعتبار أن الأمن القومي العربي، هو وحدة واحدة، وأثبتت التجارب أن انهيار أحد أقطاب العقد العربي، يترتب عليه تأثير موازٍ على بقية الدول العربية، خصوصا في ظل نهج التكتلات السياسية، القائمة على رعاية المصالح الذاتية لكل دولة، وتقديم هذه المصالح على مصالح دول أخرى أولى بالرعاية والاهتمام.
فإذا تصرف الأقطاب على أساس مصالحهم الخاصة فمن باب أولى تحرك الدول الخليجية والعربية على ذات الأساس والمعيار هو تقديم مصالحها الخاصة فوق كل اعتبار، وتعزيز هذه المصالح يقوي السيادة ويحمي المصالح القومية، ويمكن الدول العربية من قول كلمتها في المجتمع الدولي.
لعل ما مر وما يمر به الوطن العربي من محاولات لزعزعة استقراره كشف أهمية الترابط العربي – العربي، والتحالف الإقليمي، وأهمية وضع استراتيجيات واضحة، لتفعيل هذا الترابط وقت الأزمات، التي تتعرض لها سيادة الدول ومصالحها لأي مخاطر.
وهنا يأتي دور البرلمان الواعي للظروف والمخاطر والمتغيرات الدولية والإقليمية، ليعزز مكانة البحرين خليجيا وإقليميا، لتكون أقوى وأصلب عودا. وعلى مستوى الداخل الوطني، توظف هذا الاستقرار في النماء الاقتصادي والرفاه الاجتماعي.
البرلمان على المستوى الإقليمي والدولي، معني بشكل فعال بتحمل المسؤولية بأمانة واقتدار لتركيز دور مملكة البحرين في الحفاظ على التوازن السياسي بالمنطقة العربية في هذه المرحلة الاستثنائية، إذ إن دعم هذا الوجود والدور لمملكة البحرين من شأنه تحقيق نتيجتين مهمتين: أولهما المحافظة على الأمن القومي، وثانيهما يعزز مكانة البحرين عربيا وإقليميا ودوليا.
ما العلاقة التي تجمع بين مجلسي النواب ومجلس الشورى مع كيان المجتمع وسيادة الدولة؟
ما يحدث من تطور في البيئة الدولية والإقليمية والسياسية منها والاقتصادية، له دور بالغ الأثر في ضرورة تطوير منهجية عمل البرلمان، واتخاذه أساليب عمل غير تقليدية، هدفها تحقيق المصالح الوطنية على المستوى الدولي والإقليمي.
وهو ما يتطلب أن يكون البرلمان أساسًا للدفاع عن المصالح السيادية، والخاصة للبلاد على المستوى الدولي، وتحقيق مكتسبات دولية تعزز من مكانة الدولة ونظام الحكم فيها.
بل إن البرلمان كما شهدنا في الأحداث الدولية الكبرى لعب أدوارا بالغة الأهمية والحساسية وهو خط الدفاع الأول في حسم المعقد من المسائل المتعلقة بالمصالح الوطنية وهو المعني بتعزيز مكانة الدولة في البيئة الدولية وتوثيق روابطها بالكيانات الدولية، ومراكز الثقل المؤثر في السياسة الدولية، وتجذير مكانة البحرين في التوازنات السياسية والقومية الدولية.
البرلمان هو القبة الحديدية التي تحمي هذا الكيان، وتعزز استقراره وسمعته ومكانته وبنيانه، وفي ظل المتغيرات بالمجتمع الدولي، يمكن للبحرين الكبيرة في تاريخها، وعطائها ومكانتها أن تلعب دورا أكثر فاعلية في التوازنات الدولية.
أما فيما يتعلق بمجلس الشورى، وفق الهيكل القانوني والتنظيمي عليه أن يكتسي ثوبا جديدا، يتواكب مع متغيرات العصر والتطورات الإقليمية والدولية ورؤى مملكة البحرين، وباعتباره الوظيفي يمكنه أن يلعب دورا مهما في العلاقات العامة مع القواعد الشعبية.
كما أن مجلس الشورى، بما يملكه من خبرات ومؤهلات ومعرفة، يمكنه أن يلعب دور حكومة الظل، في مساندة أو رفض بعض الخطط الحكومية، وتحليل الإنجازات والمعوقات التي تصادف أعمال الحكومة، وتقديم رؤى معرفية ومتخصصة، في تلك الجوانب التي تعارض فيها، أو التي تدعم فيها رأي أو برنامج أي جهة من كيانات الحكومة.
ممارسة هذا الدور لمجلس الشورى نضمن من خلاله وجود مبدأ المحاسبة، والمعارضة القائمة على أسس معرفية وتخصصية وليست رغبات أو أهواء سياسية، ومن شأن هذه المعارضات أن تحقق مصلحة وطنية في غاية الأهمية، ويعزز تفاعل مجلس الشورى مع الحكومة من جانب، والقواعد الشعبية من جانب آخر وفق ثوابت وطنية.
ما آليات العمل البرلمانية في العصر الرقمي والتقدم التكنولوجي؟
سبق الحديث لي حول العصر الرقمي، وضرورة هجرة العمل التقليدي، وإعادة ترسيم هيكلية الدولة من حيث الشكل والمضمون وفقا للتطور التكنولوجي ليتوافق مع حقيقتين.
الأولى هو تطور تكنولوجيا ثورة الاتصالات، وما أحدثته من نقلة نوعية في التجارة الدولية، وسلسلة التوريد والأعمال الإدارية والفنية والصناعية.
إذ انتقل العالم من العمل التقليدي الروتيني، إلى العمل غير المرئي الطيفي، وهو تطور يحتم إعادة النظر في هيكلية الدولة، وسلطاتها الثلاث بما في ذلك وزارات الدولة، والدستور والقوانين، والنظام البرلماني وآليات العمل، وهو تطور قد يكشف الحاجة إلى الاستغناء عن الكثير من الكيانات والآليات والهياكل التنظيمية القائمة في عهد النظم التقليدية.
الثاني هي الرؤى الاقتصادية للعام 2030 لمعظم دولنا الخليجية والعربية، وهذه الرؤى وضعت أسس ومعايير التنمية المستدامة وفق قواعد الأمم المتحدة ومتطلباتها، وهي التي يجب أن تكون أساسا ودستورا لعمل كافة الحكومات بمختلف أجهزتها وقطاعاتها، ولعل البرلمان هو أكثر الأجهزة المعنية بتنظيم قواعد عمله وبرامجه بما يتوافق مع التطور التكنولوجي والرؤى الاقتصادية لمملكة البحرين.
هنالك لبنات استراتيجية أفرزها واقع العالم العربي برماله المتحركة، ما قراءتك لها؟
يجب العمل على تعزيز العمل العربي المشترك، لحماية أمنه بمفهومه الشامل، والتمسك بمبدأ الحلول العربية للمشاكل العربية - العربية، والعمل وفق رؤية شاملة، تكفل الاستغلال الأمثل لمقومات الاقتصادات العربية، وتعزيز القدرات العربية الجماعية، في مجال الاستجابة للتحديات المطروحة.
فالبيئة العربية تدرك الظروف الدقيقة، والتطورات المتسارعة على الساحة الدولية، وما تنبئ به حالة الاستقطاب الراهنة، من بوادر ستترتب عليها إعادة تشكيل موازين القوى، مع كل ما يحمله هذا الوضع من مخاطر على الأمن القومي العربي.
مع ضرورة دعم مشاركة الدول العربية في صياغة معالم المنظومة الدولية، كمجموعة منسجمة، وموحدة، وكطرف فاعل، لا تعوزه الإرادة، والإمكانات والكفاءات، لتقديم مساهمة فعلية وإيجابية في هذا المجال.
ومن ثم فإن قواعد العمل البرلماني بالمرحلة المقبلة عليها أن تأخذ الرؤية الاقتصادية 2030 لمملكة البحرين، والتغيرات الدولية واستراتيجيات العمل المشترك لدول مجلس التعاون، بقيادة المملكة العربية السعودية، وشقيقاتها في التعاطي مع المسائل الدولية الكبرى، أساسًا ونهجًا، في برامجه وسياساته القادمة حفاظا على وطن وأمة عربية، في رمال شرق أوسط متحرك.
ما رؤيتكم للبرلمان القادم؟
البرلمان هو كيان يعكس حضارة ومكانة الدولة، وهو يسطر التاريخ والثقافة والقيم، والحامي للمصالح الوطنية، ويضع الخطوط الحمر على السيادة الوطنية.
وهو الكيان الذي يتحرك إذ تقتضي مصالح الدولة، في كل موقف وكل نازلة حساسة ودقيقة، ويعتبر خط الدفاع الأول حين تتغير الظروف الإقليمية والدولية، فتكون خطاه ثابتة لحماية سيادة ومصالح الدولة في كل الظروف والأوقات.
سبق وقلنا إن دور البرلمان مثل العملة بوجهين، بدور داخلي وخارجي، واليوم العالم يمر بحركة تغيير قادة المنطقة، هم الأعلم بدقائق تفاصيلها ومحاور ترابطها، وآثارها في مسار المجتمع الدولي، وتأثيرها على الإقليم ولا نزيد على القادة في فهمنا لتلك التغيرات والصراعات، وإعادة التموضع والنفوذ.
ومن هنا، فإن البرلمان عليه أن يقوم بتحليل عناصر هذه التغيرات، وآثارها على المصالح والسيادة الوطنية خصوصا، وعلى مستوى مجلس التعاون والإقليم عموما، حتى يمكنه ذلك من وضع مرتكزات العمل للمرحلة المقبلة بطريقة تتضمن الإدراك والوعي التام، بكيفية حماية المصالح الوطنية، وأين نضع المملكة ومستقبلها وحماية مكتسباتها وأمنها الذي هو جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة والعالم العربي.
والعمل على توسيع شبكة العلاقات الخارجية ومد الجسور، وإقامة الروابط والتحالفات العربية والإقليمية والدولية، لتحقيق مصالح الدولة، وموازنة علاقاتها بمختلف الدول، وفق رؤية استراتيجية جديدة على أسس أمنية واقتصادية وسياسية في شرق أوسط جديد المعالم، وعالم متعدد الأقطاب والتحالفات، ذلك سيمكن بقوة المملكة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
