العدد 4845
الأربعاء 19 يناير 2022
"نيوهيومنتي" وجراح العالم المعاصر
الثلاثاء 18 يناير 2022

ما الذي يحتاج إليه عالمنا المعاصر لتدبر أمره والخلاص من الكآبة المحدقة به من جهة، والإشكاليات التي تطارده من جهة ثانية؟ قبل ألفي عام ونيف، طالب الفيلسوف اليوناني أفلاطون، بجمهورية يحكمها الفلاسفة، وذلك بوصفهم الأكثر قدرة على سبر أغوار القضايا المعقدة وتشابكاتها المرئية والخفية، وفي عصور النهضة نادى دانتي الليغيري بفكرة المدينة الفاضلة، وقد سبقه إليها الفيلسوف العربي، الفارابي. على أن التنظير للحلول أمر يسير، فيما تغيير الواقع يبقى قضية معقدة في الحال والاستقبال.


مع بداية العام الحالي، اهتمت منظمة "نيوهيومنتي"، وهي منظمة إعلامية غير ربحية تسعى إلى مراقبة أزمات كبرى تجري حول العالم، بتقديم ما يمكننا أن نسميه، خارطة طريق للأزمات والفخاخ المنصوبة في طريق الإنسانية.


بداية قد يخيل إلى الكثيرين أن جائحة كوفيد-19 بكل تحوراتها وتحولاتها هي الأزمة الأولى في عالمنا المعاصر، غير أن الحقيقة ليست كذلك، إذ تجيء أزمة انتشار الفقر وعدم المساواة في العالم في المقام الأول. أزمة الفقر في واقع الحال ليست جديدة على البشرية برمتها، فما من جيل لم يعرف الأغنياء والفقراء عبر التاريخ، إلا أن المعضلة الكبرى تتمثل في التفاوت الطبقي وعدم المساواة الاجتماعية، الأمر الذي يستحضر نصيحة فيلسوف الصين الكبير، كونفوشيوس: "لا تخشى من الفقر إن ساد الجميع، بل عليك القلق من التفاوت بين الطبقات، فهذا هو الأكثر خطورة على السلم المجتمعي".


من بين الأزمات التي تواجه إنسانيتنا المعذبة مشكلة الكراهية التي تنتشر عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وهنا تستدعي الذاكرة القريبة ما قاله الكاتب والأكاديمي الإيطالي الكبير الراحل، أومبرتو إيكو، من أن المثقفين في ستينات القرن الماضي كان من السهل عليهم أن يلزموا السكارى في الحانات الأوروبية الصمت وعدم الخوض في عمق القضايا المهمة للأمم والشعوب، لكن هذا الوضع وفي ظل انتشار أدوات التواصل الاجتماعي، جعل من أي صاحب دعوة عقلانية أو مجافية للمنطق، أن يصل إلى ملايين من البشر بضغطة زر على لوحة مفاتيح كمبيوتر شخصي. كارثة خطاب الكراهية أنه ينتشر في الهواء، ومن غير أدنى مقدرة على إعادته إلى جادة الصواب، لهذا أضحت الدعوات الشوفينية والقومية مهددا حقيقيا لأمن وسلام العالم.


تنبهنا المنظمة الإعلامية عينها إلى كارثة أخرى تطل على البشرية، خصوصا في ظل الاضطرابات المناخية التي تسود العالم وتأثيراتها السلبية على المحاصيل الغذائية، وتتمثل في أزمة الجوع الحادثة بالفعل من جهة، والمرشحة لأن تتعاظم أخطارها من جهة أخرى.


يعد الجوع عار العالم المعاصر، وفيما البشرية تجاهد للخلاص من أزماتها في العقود القليلة المنصرمة، ها هو يطل بأعينه على العالم مرة أخرى في الوقت الراهن.


والشاهد أنه إن كنا قد جئنا على أزمة التغير المناخي، فإنه من المهم بمكان الإشارة إلى المخاطر الصحية الناجمة عن تلك الأزمة أو بمعنى أدق أزمات.


لا يتوقف تشخيص المنظمة عند ما تقدم، فهناك جراحات سياسية قاسية جدا تلم بالعالم، بعضها ربما يقود إلى حرب عالمية كما الأزمة المفتوحة في أوكرانيا، وهناك الصراع الضاري في إثيوبيا، والأزمة اليمنية التي يدفع ثمنها الأبرياء يوما تلو الآخر.

هل من حكماء يرفعون عن البشرية أوجاعها؟

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية