الاتهام بالغش في الامتحانات وسرقة الباعة “عيني عينك”... وحبها “علي” أبرز محطاتها
بالفيديو: زهراء السباع... كفيفة قهرت أساتذة وطلابًا تنمّروا عليها!
الموسيقى تمنحني طاقة إيجابية رائعة و تفرغني من الشحنات السلبية
فقد البصر كان صدمة كبيرة أدخلتني في نوبة نفسية استمرت ثلاثة أشهر
أشتاق لرؤية أهلي و أريد أن أعرف كيف تغيرت ملامحهم ووجوههم
أمي ثم أمي حين كنت أتعرض للتنمر كانت لا تمنحني خيار الاستسلام
بدأ النور صارخًا في عينيها، كسائر أشقائها، وحظيت زهراء السباع بطفولة طبيعية جدًّا تعلقت فيها بالبحر، وقضت أجملها بين شواطئ البحرين.
حتى بدأ الضوء في التلاشي، تبددت الألوان ثم الخطوط والوجوه، وغابت الشمس كلها عن عينها.
كل ما بقي لديها من البحر هو صوت الموج وضحكات أطفال يبنون قلاع أحلامهم بالرمال.
لم أكن متيقنة تمامًا مما يدور في المشهد أمامي حين رأيت زهراء تضرب بعصا بيضاء في يدها، هل كانت تدق بعصاها الأرض؟ أم ترمي بقلبها في كل دقة لتتحسس باطن العالم، وجوهر الأشياء؟

القلب عصاها البيضاء
استقبلتني زهراء وزوجها علي بدر في شقة صغيرة تفيض حبًا شاسعًا لرواية قصة جميلة، عن شابة ثلاثينية عاشت نصف عمرها في الضوء، وكتب الله لها نصف عمر قاتم بالمعنى المادي، ظلمة في كل الجهات، لم تنكسر بل قررت أن ترسم لوحة عمرها بألوان العطاء والعزيمة.
المسرح والموسيقى
في حوار خاص لِـ ”البلاد“ سألتها: من أنتِ؟
- ضحكت، وقالت لا أدري! ربما نسيت.

صمتت برهة وأضافت: ”اسمي زهراء خليل السباع، ولدت في العام 1987، درست الترجمة في الجامعة، وحاليا أعمل موظفة بدالة في مصرف البحرين المركزي، لدي هوايات مثل العزف والتمثيل، وشاركت في عدة مسرحيات على المستوى المحلي والخليجي.
المسرح والتمثيل
- بدأت التمثيل منذ العام 2011 في مهرجان لذوي الإعاقة، كانت المشاركة بدافع الفضول والتجربة، لكنني أحببت المجال وتوالت مشاركاتي بعدها، حصدت جائزتين لأفضل ممثلة في البحرين والكويت.
كانت الأخيرة في الكويت في مسرحية ”سالفة بايق“ من تأليف يعقوب يوسف وإخراج طاهر محسن.
لماذا المسرح؟ لأنه يمنحني مساحة لتفريغ الطاقة السلبية، وارتداء قناع شخصية لا تشبهني ولا يحاسبني على تصرفاتها أحد. انه شعور لا يفهمه سوى عاشق للمسرح.

-ماذا عن الموسيقى؟ لاحظت أن الكثير من ذوي الإعاقة البصرية يميلون لهذا الفن.
ربما لأننا نعتمد على حاسة السمع كثيرًا ومرغمون على أن نسمع جيدًا، تستفزنا الأصوات.
تخيلي أي شخص وإن كان غير كفيف، حين يغمض عينيه ولا يرى شيئا أمامه ويريد الخروج من مكان مظلم، تلقائيا سوف ينتقل تركيزه لحاسة السمع، ليساعد نفسه على إدراك الطريق.
أما بالنسبة لي شخصيا، كنت أميل للموسيقى منذ طفولتي، ولم تتسنَّ لي الفرصة للدراسة والاحتراف، لكنني مؤخرًا انضممت لمعهد البحرين للموسيقى ومازلت مبتدئة.
الموسيقى تمنحني طاقة إيجابية رائعة، تفرغني من الشحنات السلبية، وأشعر بداخلي يتحرك مع إيقاعها.

اعتلال الشبكية
عرفت أنك كنت مبصرة وفقدت بصرك لاحقا، ماذا حدث؟
- أعاني من مرض يدعى اعتلال الشبكية، في البداية أبصر طبيعيا، ثم تقل إمكانية الرؤية تدريجيا.
كنت في السادسة عشرة من عمري حين فقدت الرؤية، أي أنني عشت نصف حياتي مبصرة.
كنت أعرف أنه سيحين هذا اليوم، فقد أخبرني الأطباء سلفا عن ذلك، لكنني لم أستوعب هذه الحقيقة حتى عشتها، ولم أتخيل أن تظلم الدنيا تماما.
بدأت بعض الألوان بالتلاشي، ثم الخطوط الصغيرة، اضطررت لاستخدام النظارات الطبية وأحيانا العدسات المكبرة، حتى صار لا شيء بإمكانه أن يعوض قصور البصر، وأصبحت كفيفة.

مهما بكيت لن يعود بصري
كيف تقبلت واقعك الجديد؟
- في بادئ الأمر شعرت بصدمة كبيرة، أدخلتني في نوبة نفسية استمرت ثلاثة أشهر، بكيت فيها وأحبطت كثيرا.
لكن بعد كل تلك الدموع، وجدت أنه لابد لي من اختيار مسار حياتي، يجب أن أكون قوية وأدرك أنني مهما بكيت لن يعود لي البصر، عليَّ أن أكمل حياتي أو أقف الآن عند هذه المرحلة وأنتهي. بالطبع اخترت درب القوة.
للإيمان بالله، القضاء والقدر دور كبير في تحمل وقع الإعاقة، وأعني بالإيمان إيمانًا راسخًا داخل الانسان.
بالإضافة لدعم الأهل بالطبع.

ملامح أهلي
هل تشتاقين لرؤية شيء ما؟
- نعم، أشتاق لرؤية أهلي، أريد أن أعرف كيف تغيرت ملامحهم ووجوههم.
أما الحياة فأنا لا أشتاقها لأنني أعيشها حقا، ولا أشعر أن فقدان البصر سيء للغاية، حياتي طبيعية جدا، أسافر كثيرا وأمارس هواياتي، قد يتساءل البعض، لم السفر وأنا لا أرى شيئا؟ ربما لا أرى بعيني لكنني أستشعر كل ما في المكان، رائحته، أصواته، وروحه.
للذاكرة البصرية صندوق، لو نفتحه الآن.. ماذا ترى زهراء؟
- أرى طفولتي، أنا وعائلتي في رحلة إلى البحر، نلعب وسعداء جدا. هذه الصورة وذكريات الطفولة دائما في خيالي. أحب البحر، صوت الماء يشعرني بالراحة.

خيار الاستسلام
قلت لي بأنك تعرضت للكثير من الإحباطات والآلام خاصة في بداية مسيرة الظلمة.. لماذا أصررت على النجاح؟
- أمي ثم أمي حين كنت أتعرض للتنمر والسخرية في المدرسة أعود للمنزل أبكي، محبطة يائسة وعازفة عن الاستمرار في الدراسة، لكنها كانت شديدة جدا ولا تمنحني خيار الاستسلام، كانت تقول لي: “مو بكيفش“ يجب أن تكملي مسيرة الدراسة وهذا فرض واجب. ربما لو لم تكن أمي هكذا لكنت استسلمت منذ زمن بعيد.
اذكري لي بعضا من المشاهد التي آلمتك حينها؟
- كثيرة هي اللحظات المؤلمة، الآن حين أتذكرها أضحك وأعرف أنه سلوك طفولي نابع من الجهل، لكنني في ذلك الزمن كنت أتألم جدا، على سبيل المثال كان البعض يتعمد أن يصطدم بي أثناء السير في أروقة المدرسة، ليصنع جوا من الفكاهة لنفسه ولأصحابه على حسابي.

تقفين في المنتصف، بين حياة ملونة وأخرى باهتة بل مظلمة. ماذا يعني لك البصر؟
- بالطبع البصر نعمة كبيرة لا تعوض. لكن الإنسان القوي هو من يتأقلم مع أي ظرف مؤلم يتعرض له، سواء أكان فقدان بصر أم أي ظرف آخر، ليستطيع إكمال حياته.
الباعة استغلوني
ما التحديات التي واجهتها وقهرتها؟
- في بداية الدراسة كانت البرامج الناطقة للتو تنتشر، على سبيل المثال يحين موعد الامتحان الجامعي وأنا لا أملك مادة صوتية مسجلة أو مكتوبة في ملف يمكن للحاسب الآلي قراءته، وبالتالي لا أستطيع دراسة المقرر للامتحان.
وأثناء تقديم الامتحانات كنت بحاجة لطالب يرافقني ويكتب نيابة عني وفي بعض الأحيان كان الأساتذة يتهمونني بالغش بسبب وجود المرافق ولا يصدقون بأن ما كُتب على الورقة نتيجة دراسة وتحصيل علمي، كانت أبسط الأشياء صعبة جدا ومعقدة.

مثال آخر، مسألة النقود وتداولها، حين كنت أذهب للسوق يستغل بعض الباعة إعاقتي البصرية، أعطيه عشرة دنانير وأسأله كم المبلغ؟ يقول خمسة ويسرق البقية، لكن الحمد لله مع تطور التكنولوجيا أصبح لدينا تطبيقات للهاتف تقرأ النقود.
المواصلات مازالت تشكل أزمة، لأن السياقة مستحيلة بالنسبة لي.
إعاقة مجتمعية
-من كل ما سبق، أفهم أن الصعوبات أغلبها تكمن في إعاقة مجتمعية وليس إعاقة بصرية، أي أن كل ما عانيته كان بسبب أمراض اجتماعية.
نعم صحيح، مازال المجتمع يفتقر للتوعية وتغلب عليه الأفكار السائدة والقوالب الجاهزة، يضعون الكفيف في قالب العاجز الذي يحتاج مساعدة الآخرين في كل تفاصيل حياته، وهذه فكرة خاطئة، الكفيف كما أي إنسان آخر في هذا العالم، بعض البشر مستقلون ناجحون وبعضهم الآخر اتكاليون وعالة على المجتمع. وحتى بالنسبة للزواج، يرون أن الكفيفة لا تستطيع إدارة أسرة.

قرار الزواج
أنت الآن متزوجة، وتترقبين مولودا بعد شهر. كيف اتخذت هذا القرار؟
- اتخذت قرار الزواج لأنني متأكدة من قدراتي. كنت أدرّس أخواتي بعض المواد في المدرسة، وحين أنجبت أختي طفلا ساعدتها وكان يقضي بعض الإجازات الأسبوعية برفقتي. وجدت بأنني أهل للمسؤولية.
تضحك مجددا وتضيف: ”لدي سبل وبدائل دائمًا للتكيف مع وضعي، أثاث البيت أضعه بما يناسب احتياجاتي، وإذا فكر أحدهم بتغيير موقع أي شيء يجب أن يخبرني لأحدّث الخارطة في ذهني“.

التقيت به في المسرح
أرى حبا كبيرا هنا، أخبريني عن قصتكم؟
- في العام 2012 التقيت بعلي للمرة الأولى، في مهرجان مسرح أول، كنت ممثلة كفيفة بين طاقم كله من الأصحاء.
عرفته أثناء العمل على المسرحية، معرفة عادية فقط، وبين حين وآخر كنت أصادفه في المهرجانات المسرحية.
بعد سنوات طويلة تقدّم لخطبتي، لم أستوعب، وأول سؤال طرأ على بالي: ”ما الذي يجبره على خطبة فتاة كفيفة؟ لماذا يترك بنات العالم ويخطبني أنا؟ مع معرفتي بعقلية المجتمع التي قد ترفض أن يتزوج مبصر كفيفة.
ترددت كثيرا، لكنه أصرّ وعرفت أنه الشخص المناسب والذي سيسعدني.
اليوم أنا نادمة لأني لم أجتمع بعلي منذ زمن بعيد، حياتي تغيرت للأفضل، وصرت أشعر بوجود السند الذي يساعدني دون أن أطلب منه ذلك، وهذا أجمل ما فيه.
لماذا الزواج من ”كفيفة“؟
بعد هذه السنوات، هل وجدت إجابة لسؤالك، لماذا ترك فتيات العالم وتزوجك؟
- رأى ما لم يره الآخرون. للناس ظاهر الأشياء، لكنه رأى الداخل.
بأنفاس أرهقها ثقل الحمل ختمت زهراء حديثها، فطلبتُ من علي أن يجيب على مجموعة من الأسئلة بينما ترتاح هي، لكنها أصرت على الحضور والتنصت في زاوية قريبة.

فبدأت حديثي معه، ”: قالت زهراء، ما الذي يجعله يترك بنات العالم ويخطب كفيفة؟ كيف تجيب؟“
لا أذيع سرا إن قلت أنني مررت بتجربة سابقة ولدي ثلاثة أولاد مسبقا، تجربة لم تكن موفقة وشاء القدر أن تنتهي.
تعلمت منها كثيرًا وعرفت ماذا أريد، ومن هو الشخص المناسب لي.
لست شخصا وسيما، ولا يهمني الشكل، أنا كنت بحاجة لشخص لا يبصر بعينه لظاهر الأشياء أساسًا، بل شخص يرى الداخل والعمق. وهذا ما وجدته في زوجتي.
كنت أمزح مع زهراء مذهولا بقدرتها على ممارسة حياتها بشكل رائع، وأقول لها: هل أنت كفيفة حقا أم تخدعينا؟ لأن تصرفاتها طبيعية جدا وحين رأيتها لأول مرة لم أشعر للحظة بأنها لا تبصر حتى أخبرني أحدهم.
هل أثر في قرارك خطاب المجتمع الناهي عن الزواج من كفيفة؟
- مشكلتي أنني استمعت لخطاب المجتمع سابقا ولم أتمكن من بناء قصة سعيدة. ما يراه الناس مناسبا في مقاييسهم ليس بالضرورة مناسبا لي. هذه حياتي وكان لابد من وضع حد لكل محاولات تدميرها.
المهم
ما الذي أسرك لهذا الحد وجعلك تتمسك بهذا الحب؟
- لأختصر المسألة سأقول: الشخص الذي تشده الدنيا للأسفل دائمًا وتجده يحلق عاليا، هو شخص لا ينكسر أبدًا ولا يهزم. وهذا ما أحبه فيها.
المجتمع.. المجتمع.. المجتمع.. أعتقد إننا نعيش وسط مجتمع متقدم فكريا إلى حد ما، هل كل هذه الهواجس تسيطر عليه حقًا؟
- من السخف بمكان، أنني حتى حين أسير في بعض المجمعات التجارية برفقة زوجتي وتحتاج أن تمسك ذراعي طوال الوقت لأن ذلك يسهل عليها المشي ويجعلها تستشعر الاتجاهات والارتفاعات، يرمقني الكثيرون بنظرات غريبة، ويراقبون خطواتنا وكأنما نحن مخلوقات غريبة.
يزعجها ذلك أحيانا، لكنني أقول لها إذا كنت معي انسي العالم كله، المهم أنك معي وأنا معك، وغير ذلك بلا معنى.
ختمت حواري بسؤال وجهته لزهراء: ”هل تشعرين بنقص ما في حياتك بسبب الإعاقة“؟
- في هذا العالم، لا توجد حياة كاملة ومثالية. الحمد لله أنعم الله عليَّ بالكثير.

إرادة الحب والخير
لمست من حديثها رضى بقدر الله، فتعويض بعطايا إلهية تمسح عنها وجع السنين وتنير دروب الظلمة، وكل الدمعات التي ذابت في قلبها شكّلت إرادة حديدية وروحًا لا يهزمها شيء.
وكما في الأفلام السينمائية والروايات الكلاسيكية، تنتصر إرادة الحُب والخير في النهاية.