العدد 4625
الأحد 13 يونيو 2021
الجدلية والإشكالية في علاقة التعليم بسوق العمل
الأحد 13 يونيو 2021

كان، وما يزال، النقاش والجدل محتدمين حول مسؤولية ومقدرة سوق العمل على امتصاص واستيعاب مخرجات التعليم المتدفقة عليها بحثًا عن فرص عمل، بحيث ظلت هذه الجدلية بمثابة الشغل الشاغل للمسؤولين عن التعليم وسوق العمل والأكاديميين والاقتصاديين، ليس على نطاق دول مجلس التعاون فقط ولكن على مستوى العالم بأسره.


وحتى عهد قريب كان الاتجاه السائد، وربما ما يزال، هو تحميل النظام التعليمي مسؤولية إخفاق بعض من مخرجاته في الانضمام إلى سوق العمل، واتهام النظام ذاته بالعجز عن تلبية متطلبات هذه السوق ومجارات المستجدات التي تشهدها بتلاحق واضطراد؛ من منطلق أن التعليم الجيد يجب أن يُنتج مخرجات جيدة تندمج كلها وبسهولة في سوق العمل!


ومن واقع ممارستي وتجربتي وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية لمدة تزيد على 7 سنوات؛ فإنني وجدت أن نسبة الذين يجدون صعوبة في الاندماج في سوق العمل من مجمل الخريجين في دول مجلس التعاون لا تزيد عن مثيلاتها حتى في الدول المتقدمة، مع ذلك فإن هذه النسبة ظلت تخلق أو تشكل حجم البطالة، التي تعتبر علميًا وعمليًا حالة طبيعية وأحيانًا صحية ما دامت باقية في حدود النسب المعقولة والمقبولة، إلا أنها إذا استمرت وارتفعت تصبح خطيرة ومقلقة، وقد تتحول إلى تهديد حقيقي للترابط الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي والسياسي.


وحالة البطالة التي واجهتنا، وما تزال، في دول مجلس التعاون ليست ناتجة عن كساد اقتصادي أو اختلال أو اختلاف وتفاوت بين معدلات النمو السكاني والنمو الاقتصادي، أو شح أو تدنٍ في حجم الاستثمار في الأنشطة الاقتصادية بما يؤدي إلى عرقلة خلق مزيد من فرص العمل، فالعكس في هذه الحالة هو الصحيح؛ إذ إن دول المجلس شهدت مراحل من الطفرات الاقتصادية، ومرت، وما تزال تمر بفترات من التطور والنمو الاقتصادي المتسارع، إلى جانب تدفق سخي من الاستثمارات في تشييد البنى التحتية، وتأسيس مختلف المرافق والمشروعات والأنشطة الاقتصادية أدت كلها إلى خلق وتوفير كم هائل من فرص العمل يفوق بأضعاف المرات مقدرة السوق على ملئها واستيعابها. مع ذلك فقد واجهنا ما يسمى بـ “البطالة الهيكلية” نتجت عن التغيرات الهيكلية التي طرأت على البنية الاقتصادية لدولنا، والتي تؤدي في العادة إلى عدم التوافق بين فرص العمل المتوافرة وبين مؤهلات وخبرات وسلوكيات الباحثين عن العمل.


ولا خلاف أو شك في أن العبء الأكبر، ولكن ليس العبء كله، يقع على كاهل المؤسسات التعليمية لتزويد وتسليح الخريجين بأكبر قدر ممكن من المعارف والمهارات والسلوكيات الأساسية المطلوبة في سوق العمل، إلا أن التحدي أو المعضلة تكمن في أن هذه المتطلبات تتوسع وتتزايد وتتغير بتغير طبيعة وظروف الأسواق، كما أن المعارف والمهارات المطلوبة تتغير وتتطور بدورها حسب تطور الأسواق ونموها أيضًا، إلى جانب أن الكثير من الوظائف والمهن تأخذ في الاختفاء والاندثار بشكل سريع ومفاجئ في الكثير من الأحيان، وتبرز في الوقت ذاته، وبشكل سريع ومفاجئ أيضًا وظائف ومهن جديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة.


وبسبب تطور سوق العمل وآلياته وتوقعاته فقد يبدو أن الفجوة بين هذه السوق ومخرجات العملية التعليمية مرشحة للتمدد والتوسع، إلا أن الواقع يشير إلى خلاف ذلك، فقد توثقت العلاقة بين الطرفين وأصبحت علاقة “طردية”، وصار على سبيل المثال الفضل يعود للمؤسسات التعليمية التي زودت وتزود السوق وتضخ فيه مخرجات تتحول بدورها إلى محركات ورافعات للنشاطات الاقتصادية والإبداع والابتكار وخلق مزيد من فرص العمل؛ وتجعل السوق في حاجة إلى مزيد من مثل هذه المخرجات، في الوقت نفسه فإن مفهوم الارتباط بين مستوى مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل أصبح غامض المعالم، وبقيت حلقة الاتصال بينهما تكمن في التأهيل والتدريب التي يتم من خلالها تعزيز قدرات الخريج وتمكينه من تطوير وتوظيف ما اكتسبه من معارف ومهارات والارتقاء بها بحيث تستجيب وتتلاءم مع احتياجات سوق العمل.


كل هذه الحقائق لا يجب أن تدعونا إلى التأخر أو التغافل عن ضرورة الاستمرار في عملية الانتقال السريع من نظم التعليم التقليدية إلى نظم التعليم الحديثة، والانتقال بنمط التعليم من الاستناد على المناهج المقررة إلى الاعتماد على مصادر معرفية حديثة، وبشكل أساس الانتقال بالتعليم من نمط التلقين والحفظ إلى نمط التحفيز وصقل ملكات البحث عن المعرفة، والاستقصاء، والتفكير والنقد والإبداع وتنمية المواهب والقدرات عند المتعلمين، وأن تُغرَس فيهم الثقافات أو المهارات التي أصبحت تعرف الآن بـ “مهارات القرن الواحد والعشرين” أو “المهارات الناعمة” مثل المهارات القيادية، ومهارات التواصل، والقدرة على اتخاذ القرار والتأقلم مع المتغيرات، وتعزيز روح الفريق الواحد، والتعاون بدلا من التنافس فيما بينهم، إلى جانب القدرات التحليلية والابتكارية والتطبيقية، وتقليص الدراسات الأدبية والاجتماعية والتركيز على التخصصات الفنية والتقنية مثل الاتصالات، وتقنية المعلومات، والبرمجة وتحليل البيانات، والتحليل المالي والرقمي، وعلوم الطاقة البديلة والمتجددة، وأمن المعلومات أو الأمن السبراني، والتسويق بوسائل ومنصات التواصل الرقمي، والذكاء الصناعي وما شابه.


ونتيجة للتقدم العلمي والتقني الذي حققته البشرية والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الحديثة في عمليات الانتاج بما في ذلك اعتماد الروبوتات والذكاء الصناعي في قطاعات متعددة ومتوسعة من الأنشطة الاقتصادية فقد بدأت التوقعات تتحقق في صورة اختفاء الكثير من الوظائف من سوق العمل؛ وكان منتدى الاقتصاد العالمي قد نشر أخيرا بحوثا أشار فيها إلى أن 75 مليون وظيفة سوف تختفي خلال السنوات الخمس المقبلة، وأن معظم هذه الوظائف هي التي يغلب عليها النمط التكراري، إلا أن الأبحاث ذاتها أشارت في المقابل إلى أن 130 مليون وظيفة جديدة سيتم توليدها وخلقها للأسباب ذاتها المتعلقة بالتقدم العلمي والتقني، والتي ستقل فيها نسبة الاعتماد على الإنسان مقابل الأجهزة في الإنتاج.


إلى جانب ذلك، فإن المسؤولين عن التعليم والعمل والتخطيط، وكذلك الاقتصاديين والأكاديميين داهمتهم بنهاية العام 2019، كما داهمت العالم بأسره، جائحة كورونا التي لم تكتف بعرقلة العملية التعليمية وبتعطيل آليات إنتاج فرص العمل الجديدة بل أدت إلى إغلاق هذه الآليات وإلى قذف الملايين من العاملين إلى خارج أسوار سوق العمل وإلى مجاهل البطالة واليأس والضياع. ونتيجة لتطبيق ضرورات التباعد الاجتماعي انتعشت مفاهيم ونظم وأساليب التعلم عن بعد والعمل عن بعد؛ والتي وضعت المسؤولين عن التعليم أمام تحديات جديدة فرضت عليهم المبادرة والتحرك السريع لاستنباط أساليب ووسائل جديدة تمكنهم من الاستمرار في عملية تطوير التعليم بغياب إمكانات التفاعل المباشر والتعاون بين طالبي العلم، وهي من العناصر الرئيسة في النظام التعليمي الحديث.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية