العدد 4509
الأربعاء 17 فبراير 2021
نقطة ارتكاز د. غسان محمد عسيلان
هل يوجد إعلام محايد؟
الأربعاء 17 فبراير 2021

هذا السؤال يتردد مرارًا وتكرارًا على ألسنة الكثيرين، والإجابة بكل شفافية ووضوح هي: لا يوجد في الواقع شيء اسمه “إعلام محايد”، فالإعلام عمل وجُهد بشري يُبذل وتنفق عليه الملايين والمليارات لتشكيل الوعي وصياغة الوجدان وبناء الميول والقناعات والتوجُّهات من أجل تحقيق أهداف وغايات معينة، ومصالح محددة لكل دولة أو مجتمع أو أمة؛ ونظرًا لتعارض المصالح فبالتأكيد ستتعارض أهداف أجهزة الإعلام وتختلف من بلد لآخر ومن وقتٍ لآخر. هناك دول تمتلك آلات إعلامية تنفق عليها بسخاء بهدف تزييف الوعي وتشويه الحقائق وتحريفها، وانتزاع الأحداث من سياقاتها المختلفة لاستنطاقها بما لا تحمله من نتائج ودلالات، وغير ذلك من أساليب التضليل والتزييف، ويتجاوز التضليل الإعلامي الأخطاء والممارسات الفردية هنا وهناك، بل يكون أسلوبًا متعمَّدًا وطريقة ممنهجة هدفها تزييف وعي الجماهير لتحقيق مصالح معينة لجهات ما!! وينبغي أن نُدرك أن وسائل الإعلام تقوم بتوجيه العقل والوجدان البشري بنعومة وسلاسة شديدة، وكل وسيلة إعلام لها ولا شك منحى خاص يخدم أهدافا معينة، ويتبنى أجندات خاصة، وعندما يُنتزع الإعلام من سياقه المهني والأخلاقي يُصبح سلاحًا فعّالا في الدعاية والتضليل، والتلاعب بالصور والأحداث سواء عبر التهويل والمبالغة والتضخيم أو من خلال التهوين والتقليل، وتستخدم وسائل الإعلام بكل صورها وأشكالها المختلفة أدوات كثيرة لتحقيق مآربها الخاصة حتى لو تطلب الأمر دس السم في العسل، وحشو عقلية ونفسية المتابعين بالأكاذيب. وتتفاوت وسائل الإعلام في أساليب التضليل والتزييف فمنها ما يستخدم أسلوب تهييج الرأي العام وتحشيده لتبني وجهة نظر معينة تجاه أمر ما، ومنها ما يقوم بالكذب والتدليس في مصادر المعلومات، ومنها ما يتجه لتسطيح عقلية المتلقي وإغراق الجمهور بمعلومات لا تهمّه، ومنها ما يستغل استطلاعات الرأي والقراءات الخادعة المضللة للإحصاءات والأرقام بهدف جذب الجمهور للمناطق غير المقصودة، وإغراقه في كمٍّ كبير من التفاصيل والمعلومات غير المترابطة فلا يستطيع فهم ما يجري من حوله، ومن أساليب التضليل اختلاق الأكاذيب ونشرها، وتكرار الأفكار الخاطئة وترسيخها، والإكثار من الحوارات المشوّهة، والتركيز على التفاصيل الهامشية، وإبعاد الجماهير عن قضاياها الجوهرية بغرض تغييبها عن الواقع، لتصبح غير واعية لما يدور حولها من خطط وألاعيب.

وينبغي أن تحذر الشعوب مما يُمارس ضدها على نطاق واسع من كذب وتضليل بهدف تشويه القناعات والتشويش على الحقائق، والعبث بالقيم والأخلاق والثوابت الدينية والوطنية والاجتماعية.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية