العدد 4400
السبت 31 أكتوبر 2020
ماذا يحدث في بلد الأنوار؟
السبت 31 أكتوبر 2020

مؤسفة ومثيرة للتقزز للغاية تلك الأعمال الإرهابية التي ترتكب في "بلد الأنوار" فرنسا باسم الإسلام، وآخرها العملية التي جرت الخميس في كنيسة نوتردام في نيس وراح ضحيتها ثلاثة أشخاص من بينهم سيدة سبعينية وهي تؤدي صلاتها في الكنيسة، والأكثر مدعاة للألم أن يقترن الانتهاء من تنفيذ العمليات بواحدة من أقدس العبارات الإسلامية التي اقترنت بنور الإسلام "الله أكبر"، فيما يحتفل المسلمون بميلاد رسولهم (ص) فهل ثمة أسوأ من رسالة كهذه تقدم للعالم عن الإسلام في مثل هذا اليوم المجيد؟

والحال ما كان للأحداث المؤسفة التي حدثت متوالية منذ السادس من الشهر الجاري لو عرفت باريس كيف تتعامل معها منذ البداية بمزيج من الحنكة والحزم أن تقع متوالية، وشاءت الأقدار أن توضع سلطاتها على المحك بين هزتين؛ الأولى تبدأ من تاريخ 6 أكتوبر الجاري حيث عرض المدرس المغدور صمويل باتي على طلبته رسوماً كاريكاتيرية لصحيفة شارلي إيبدو تتناول الرسول الأكرم (ص)، ما أثار غضب عالمنا الإسلامي بشدة، والفترة الثانية تبدأ من تاريخ 16 من الشهر نفسه حيث قام الشاب المراهق الشيشاني (18 سنة) عبدالله أنزوروف بذبح المدرس. كان مسرح الهزة الأولى وسائل التواصل الاجتماعي حيث عبّر جمع من المسلمين الفرنسيين والمقيمين عن غضبهم الشديد إزاء قيام إدارة المدرسة وسلطات باريس بإجراءات تحقيقية روتينية لا تتناسب وجسامة الحدث الذي هز مشاعر المسلمين ما أفضى لاحقا إلى شحن وتجييش مشاعر المراهق القاتل ليبيت النية على ذبح المدرس، بينما مسرح الهزة الثانية ردود الفعل الاحتجاجية القوية التي عمت العالم الإسلامي في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى الأرض والتي جاء آخرها عملية نيس، وهي عملية كان بالإمكان تجنبها لو تصرفت باريس بحنكة وحزم وسعت لترطيب مشاعر المسلمين لا بمواقف وإجراءات ضاعفت من تأجيجها لقصر نظر في إدارة الأزمة الخطيرة في كل محطة من محطاتها المتصاعدة منذ أوائل الشهر الجاري.

أولاً: ومع تفهمنا الكامل لمنطلق المدرس المغدور الضحية من إعطاء درس في حرية التعبير وفق مبادئ بلاده فإنه ما كان مفترضا البتة أن يعطي هذا الدرس بهذا الاستخفاف في هذا التوقيت من الظروف خطيرة الحساسية التي تواجهها بلاده والعالم من آفة الإرهاب؛ ومن ضمنه عالمنا الإسلامي، وما كان يفترض بباريس أن تتعامل مع الغضب العارم الذي عم على الأقل شريحة من أولياء أمور الطلبة وجمعا من المسلمين باستخفاف آخر وإعطاء إدارة المدرسة والمعلم التطمين الكامل بأن الأمور على ما يرام دون تشديد الحراسة على المدرس والمدرسة.

ثانياً: ما كان ينبغي على سلطات باريس اللجوء إلى تلك الإجراءات الانتقامية المشددة ضد المسلمين من اعتقالات وإغلاق للمساجد؛ وكانت ضمن المحتجزين فتاة صغيرة جامعية جزائرية (19 عاماً) مسحت تغريدتها التي قيل إنها شامتة بالمدرس المغدور بعد ساعتين من بثها؛ وأبدت ندمها الحقيقي داخل السجن وعبرت عنه في المحكمة، لكن كل ذلك لم يشفع لها في بلد الحرية والأنوار. وكذلك ما كان ينبغي إغلاق مؤسسات إسلامية ومساجد مرخصة بناء على مواقف رسمية متشنجة إزاء عناصر من إداراتها الحالية، بل كان ينبغي التعامل معهم بناء على مواقفهم لا المؤسسات برمتها؛ فليس كل من يرتاد هذه المؤسسات بالضرورة متطرفين وإلا لما مُنحت الرخصة الرسمية.

ثالثاً: جاء خطاب ماكرون في حفل تأبين الضحية صامويل باتي ليصب الزيت على النار، بقصد منه أو بدون قصد، فبدا كما لو يتوعد متحدياً -باسم مبادئ الجمهورية وحرية التعبير - باستمرار الرسوم الكاريكاتيرية المثيرة للجدل عن الرسول دون أدنى تبصر بمسؤوليته القصوى تجاه أرواح مواطنيه داخل فرنسا وخارجها، ناهيك عن تعريض مختلف مصالحها السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي للخطر، بل وعلاقاتها مع دولها، ما دفع جمهرة واسعة من الشعوب الإسلامية للتعبير عن احتجاجاتهم، بل وأحرج الخطاب حكوماتها التي تتمتع بلاده معها بعلاقات طيبة، معبرة عن استيائها ببيانات رسمية معتدلة، وهذا للأسف ما لم يلتفت إليه أو يعطيه ماكرون أدنى اعتبار؛ ناهيك عن أنه جعل من نفسه وريثاً نجيباً ملتزما بتطبيق مبادئ الجمهورية في الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان كافة.

ولم تكن بقية فقرات الحفل التأبيني موفقة، قرأ مثلا رسالة الروائي البير كامو، لكن لم يذكر أنه عاش شطراً من حياته كأحد المستوطنين في الجزائر؛ وإن كان فقيراً وفكره إنسانياً، كما لم يفق العرب والمسلمون من صدمة يوليو الماضي والجرح النفسي مازال طرياً إثر بادرة باريس بإرجاع رفات 24 مقاوماً جزائرياً تحتفظ بجماجمهم في متحف "الإنسان" ببلد الأنوار منذ أوائل غزوها بلادهم عام 1832، وهي إلى اليوم - كبقية الدول الاستعمارية – تستنكف الإقدام عن تقديم اعتذار مصالحة مع الدول التي استعمرتها بحيث تترتب عليها مسؤوليات وتعويضات قانونية لها.

وأخيرا قدمت الأغنية الهولندية عن الحُب ونبذ الكراهية ولم يُلتفت إلى أن كلماتها؛ سواء كانت مستوحاة أو بتوارد خواطر، من روح قصيدة للشاعر المسلم الأندلسي محي الدين عربي: أدين بدين الحب أني توجهت.. ركائبه فالحب ديني وإيماني. وكل الآمال تحدونا ألا تفوت فرنسا هذه المحطة من سلسلة أحداث أكتوبر المؤسفة والفرصة لوقفة موضوعية مع الذات بعيداً عن التشنج والانفعال لحفظ أمنها ومصالحها، خصوصا أن المستفيد الأكبرمما جرى الرئيس التركي الذي يوغل الآن في تأجيج الصراع بين فرنسا والبلدان الإسلامية مقدما نفسه للعالم باعتباره خليفة المسلمين وحامي حماة الإسلام كذباً وزورا.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية