العدد 3936
الخميس 25 يوليو 2019
من أنت؟
الخميس 25 يوليو 2019

من المفارقات التي وعيتُ عليها باكرًا هي كيفية تعريف الغربيّ نفسه للآخرين، في مقابل كيف يعرّف العالمثالثي نفسه، فهذا الأخير إن أراد أن يعرّف نفسه يقول: أنا فلان بن فلان، أنتسب للأرض التي تغسلها الشمس بأشعتها، فتنساب من أعلى جبالها الينابيع التي أنعم الله بها علينا، لتغدو بلادنا من أجمل بلاد الأرض...إلخ، فهو لا يتحدث عن فعله وإنجازه، فغالبًا ما يكون نتاج غيره من سلالته، وهو أمر لا دخل له فيه، وأيضًا يكون نتاج البيئة، وهو أيضًا لم يخترها، إنما تصادف أن وُلد فيها. في المقابل، فإن الغربي غالبًا ما يعرّف نفسه بما يعمل، وبما ينجز وبما يجيد، أو ربّما بما يدّعي أنه يجيد، ولكنه في المحصلة لا يفاخر بما لا يد له فيه، لأنه كمن يقول إنه شخص بلا قيمة في ذاته، بل قيمته مستمدة من صدفة بيولوجية جعلته يولد لهذا النسل، وفي هذا المكان والزمان تحديدًا، ولولا ذلك لكان نسيًا منسيًا. في مكانك سيدي القارئ، حيثما كنت، هات فكرة عبقرية على أيٍّ من المستويات، سيكون السؤال: من أنت؟ اقترح تطويرًا في مؤسستك... من أنت؟ اطرح مشروعًا تنمويًا للشباب... من أنت؟ ضع تصورًا لمدينة الغد... من أنت؟ أبدع خطة اقتصادية تنقذ البلاد من أوضاعها... من أنت؟ سيتم قبول برنامج مشابه لبرنامجك الذي تم رفضه من قبل، لأن السؤال الذي سبق كان: من أنت؟ بل قد يُقبل البرنامج نفسه الذي قدمته مسبقًا، عندها يأخذه شخص آخر، يثبت اسمه مكان اسمك ولا أحد يجرؤ على سؤاله: من أنت؟ تقدم لرئاسة نادٍ... من أنت؟ حاول أن تترشح لنقابة... من أنت؟ اكتب مقالًا نقديًا ولو كان ناعمًا وهادئًا وعقلانيًا... تنتقد؟! من أنت؟ حاول أن تلقى مسؤولًا، وإذا سألوك قل لهم إنك مواطن... لا يهم فالمهم... من أنت؟ فيذهب الدعم للذين لا يسألون: من أنت؟ فهذه الذات أو تلك تفتح لها الأبواب بعدما كانت موصدة في وجهك تطالع ارتفاعها الشاهق ومن ورائها يأتيك السؤال بصيغة ناهرة: من أنت؟.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية