العدد 3817
الخميس 28 مارس 2019
المدارس الحصينة
الخميس 28 مارس 2019

في مدرسة خليجية، حاول أستاذ جامعي أن يقيس مدى تعاطي طالبات تلك المدرسة المخدرات، وصاغ استبانة لتجري تعبئتها من قبل الطالبات، لكن فاجأته مديرة المدرسة إذ رفضت رفضاً قاطعاً أن تمرّ هذه الاستبانة أو أن تجري هذه الدراسة من الأساس على “مدرستها”.

هذا النموذج من المديرين والمديرات هو السائد، إن لم يكن هو فقط ما يمثل مديري مدارس وزارات التربية والتعليم العرب، وذلك ربما للوسواس بأنه إذا كان في المدرسة منحرف اجتماعياً أو جنسياً، أو مخالف للقواعد الأمنية؛ فإن ذلك سيعتبر “فشلاً” في العملية بأكملها، إذ إننا – وعلى الرغم من استيرادنا النظام الإداري الحديث من الغرب، إلا أننا – بدّلنا وزارة التعليم Ministry of Education لنقدّم “التربية” على التعليم، وهذا يعني أن أي طالب يقوم بمخالفة من أيّ نوع فهذا يؤشر على خلل في تربيتنا، أي أنه مؤشر على فشلنا نحن، وهذا هو المعيب في حقنا، متناسين أن نوحاً عليه السلام أبٌ ونبي، وابنه شذّ عن طريقه وما ركب معه الفُلك وكان من المغرقين، ولم يقدح ذلك في نبوّته!

لذلك فإن المسؤولين في المدارس، ومن فوقهم المسؤولين في وزارات “التربية” يعدّون هذه المدارس بيوتهم، ومن بداخلها أعراضهم، والبيوت أسرار، فلا يُسمح باقتحام هذه الحصون، وإن تسرب منها ما تسرّب، فإن هذا يُعتبر في العرف فضيحة أو أزمة ويجب أن تُجابه بإعلام مضاد، وفي الوقت الذي يجري التناكف مجتمعياً يشعر الخلل أو الخطأ أو الكارثة بالأمان لأن الناس انشغلوا في الصغائر وتركوا حل المشكلة، وقد يتخذون قرارات ويشيرون بإصبع الاتهام إلى مسؤول ومقصّر ومتهاون، لكن لا أحد يحفر للوصول إلى جذور المشكلة، فتعود لتطلّ من جديد بعد أن اعتقد الناس أنهم تخلصوا منها.

مجتمعات هذا الزمان تصيبها تغيرات متعددة ومتسارعة و”متعامقة”، وتحتاج إلى الانفتاح والجرأة في المعالجة، وليست المدارس المسؤولة عن التربية، ولا الأهل وحدهم، فالكثير من المؤثرات والعوامل والمعاول التي تتسارع إلى نفوس الجميع، وليس الصغار وحسب، بل ومن حق وزارات التربية والتعليم أن “تستغيث” بعلماء النفس وعلماء الاجتماع لدراسة التغيرات، لتكون شراكة مجتمعية، بدلاً من أن يفعلوا كما فعل الأستاذ في الفقرة الأولى، إذ تحايل وغير عنوان الاستبانة، وقبلتها المديرة.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .