العدد 3635
الخميس 27 سبتمبر 2018
تفصيل الحياة السياسية
الخميس 27 سبتمبر 2018

على عكس ما يدور في الشارع، سواء كان الفضاء العمومي، أو وسائل التواصل الاجتماعي؛ فإن أكثر الكتّاب والداخلين في العملية السياسية، في أيٍّ من البلاد العربية – بحسب اطلاعاتي القاصرة – يقفون موقف الضد من المواقف الشعبوية تجاه العملية الديمقراطية التي تتجلى نهاياتها في المجالس النيابية، أو المجالس التي تمثل الشعب، حيث يسير نهر جارف من الناس في اتّجاه إلغاء هذه المجالس وعدم الاستمرار فيها، في الوقت الذي يسبح فيه آخرون في الاتجاه المعاكس الرامي إلى الحفاظ على دوران العجلة الديمقراطية بدلاً من توقفها، وإصابتها بالصدأ.

ومهما قيل من وصوف في “سيكولوجية الجماهير”، والحشود، والشعبوية، والدهماء، والغوغاء، وليسمِّ من يشاء ما شاءت له التسميات الفارقة بين “العموم” و”الخصوص”؛ فإن ما ينطق به الجمهور لم يكن ليأتي من فراغ ومن دون مقدّمات، وإنّ اتفاق قطاعات واسعة من الجماهير العربية على امتداد هذه المساحة الجغرافية على تشابه القول إلى حدّ تطابقه، لا يمكن أن يُنسب إلى “الدسائس”، ولا إلى أيّ من التعبيرات “الخايبة” التي يطنطن بها الإعلام في أكثر من بلد لمداراة سوء الأداء البرلماني.

لقد “حملت” الكثير من الأنظمة العربية تجاربها الديمقراطية على كره، ووضعتها على كره، ولم تعرف من اللعبة الديمقراطية إلا إبقاء البرلمان في حال “لا حيّ ولا ميْت”، هذا الحال الذي يجعل المشاعر مختلطة ما بين اليأس والرجاء، والأمل والملل من الأمل نفسه، ومع الوقت يبدأ الشارع في التعامل مع البرلمان على أنه الحيّ المجمّد، ومن هنا يمكن تفهّم المطالبات بإكرام الميت والمسارعة بدفنه.

عملت أنظمة على “تفصيل” برلمانات على قدِّها “الميّاس” تماماً، لا يمكن لهذه البرلمانات أن تبدو أكبر من حجمها وتقوم بما لا تتوقعه الأنظمة، ولا أصغر بكثير من الهيئة العامة التي تسمح للنظام بالتباهي بأنّ لديه برلماناً كما في كل الدول الأخرى المنتمية إلى هذا القرن، فلا يمكن للبرلمان أن يفرض قانوناً، ولا يقف في وجه المسؤولين، وإذا راقب فإنه يراقب من وراء حجاب زجاجي، فلا يمكنه اتّخاذ إجراء بعدها، وإن بقيت بعض الأصوات المزعجة من الذين ينفقون بقية أعمارهم بين أطنان حبوب الأمراض المزمنة جراء احتراقهم مما يرون من تجاوزات وخذلان الزملاء!

تقودنا الخلاصات إلى أن التغيير لا يأتي في الانقطاع، بل في موالاة التدافع من أجل توسعة هوامش الفعل، الذي إن لم يأتِ اليوم، لابد أن يأتي يوماً.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .