العدد 3628
الخميس 20 سبتمبر 2018
عناق الدّب
الخميس 20 سبتمبر 2018

عندما كانت القنوات التلفزيونية محدودة جداً، أكثر بكثير مما يمكن أن يتخيله أبناء الجيل الحالي، كان جلّ الناس يشاهدون البرامج ذاتها، وكان منطقياً جداً أن يسأل أحدهم الآخر: “هل رأيت البارحة قناة الكويت؟”، (مثلاً)، فيأتي الجواب غالباً بالإيجاب، ومن علامات ذاك الزمان، المصارعة الحرّة، بصوت المعلّق غسان خليل صباغ، الذي تعجب منه الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد في رواية “البلدة الأخرى”، إذ إن بطل الرواية كان يسمع التعليق على المصارعة الحرّة باللغة العربية، بينما كان التلفزيون المصري إذ ذاك يذيعها – ربما - بتعليق باللهجة المحلية، وكان من بين المصطلحات التي عرّبها صبّاغ في المصارعة لقطة “عناق الدب”، فتعلم أبناء ذلك الجيل كله تقريباً هذا المصطلح.

“عناق الدب” في المصارعة أن يتمكن أحد المتصارعين من الإحاطة بساعديه على وسط خصمه، والضغط عليه بقوة هائلة تجعل قوة الخصم تنهار تماماً وتؤدي – في معظم الحالات – الى الاستسلام، لكنها أيضاً يمكن أن تكون من الأم لابنها، ومن الحبيب لحبيبته، هو احتضان يغمر الآخر بالاحتواء والألفة والأمان.

نظراً لظروف وتجارب عديدة، ومريرة في غالبها، صارت الأجيال المتتالية تبالغ في حماية أبنائها، تحاول إبعاد الأخطار عنهم، القيام بالتجارب الحياتية بدلاً منهم، الإجابة نيابة عنهم عن أي سؤال يوجهه أحد بعيد إليهم، ربما خشية ألا يجيب الطفل الإجابة “النموذجية” فيغدو طفلاً متراجعا، منتظراً العون والمدد دائماً، لا يجرب بنفسه، ولا تتعفر أصابعه بتراب الشوارع ولا يتسخ هندامه بطين الحياة، رُكبهم ملساء لم تتزلق لكثرة السقوط من على الدراجات واللعب على اسفلت الشوارع، هناك شعور لدى الأجيال الأكبر سناً أن أبناءهم في خطر دائم، وأنهم سيفشلون إذا ما تعرضوا لمثل ما تعرضوا له هم من تجارب ومحطات، وأن الوقت دائماً مبكر ولم يحن بعد لإطلاق أبنائهم إلى الفضاءات ليجربوا الطيران الحرّ من دون رقابة ولا مساعدة أو توجيه، ولا أنزّه نفسي، آباء الأمس يدفعون أبناءهم للعمل قبل أن تطرّ الشعيرات الأولى وجوههم لتعرب عن تكوّن شواربهم، وتجيد الفتاة أعمال النساء وهي “لم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ” كما يقول المجنون... اليوم يجيد الاثنان أموراً أخرى لا علاقة لها بفنون الحياة غالباً، وغالباً ما تكون متعلقة بالافتراضيات، وليس الواقعيات.

“عناق الدبّ” هذا لفرط حنوه، قد يجبر الأصغرِين أن يستسلموا بحثاً عن الأكبرِين ليتحملوا عنهم المشاق، لينجزوا عنهم الأعمال الصغيرة منها والكبيرة، التافهة والجليلة، بينما هم غارقون في الابتعاد عن التفاعل مع الواقع، هذا العناق الذي يجعل جميع الأمور تتساوى، حتى تغدو لا قيمة لها، إذ يشتكي أكثر من أب عدم تقدير الأبناء ما تعنيه الأوراق النقدية، ولا تعني لهم مبالغ السلع أي شيء... لا يعلمون كيف أتت، ولا من أين، ولا الجهد الذي بذل فيها، ولا المرارات التي تكلف صاحبها الصحة، والعمر، والكرامة في أحيان أخرى.

لا “عناق الدب” الكاسر للظهر، مطلوب، ولا عكسه المربّي لرخاوة التعامل مع الحياة بمتطلباتها المزدادة توحشاً وألما، إنما ستحتاج الحياة فرصة لتكشف عن أفضل ما في الجيل المقبل وترفع التحدي لديه، فهو ليس جيلاً خديجا.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .