العدد 3600
الخميس 23 أغسطس 2018
لماذا نزوّر الشهادات؟!
الخميس 23 أغسطس 2018

قامت قيامة الجهات ذات العلاقة في أكثر من دولة محيطة تبعاً لما حدث في دولة الكويت حينما تم اكتشاف مئات من حالات تزوير الشهادات، وتسابقت هذه الجهات للفحص والتدقيق والكشف والتمحيص عمّا قد يكون لديها من قضايا مشابهة.

في الحقيقة، لم أفاجأ بما حصل في الكويت، ولم أطرب لما اتخذ من إجراءات في عدد من الدول، ذلك أن ما حدث كان متوقعاً جداً، بل الكثير من الشواهد كانت تدل عليه، وقصص تزوير الشهادات، وتلفيقها، وشرائها من آخرين، ليست بالأمور الخافية، فإذا كانت العامة تعرفها، وتعرف من الدافع، ومن القابض، ومن شهادته مشكوك فيها، ومتأكدة العامة أيضاً من بعض الأسماء التي لا تجيد ألف باء البحث العلمي، وتعرب عن استغرابها كيف وصلت هذه الأسماء إلى المراتب العلمية الرفيعة بين ليلة وضحاها؛ فكيف – بالله – لا تعرف الجهات الرسمية، أو لا يداخلها الفضول، أو لا تتحقق منذ سنوات وسنوات من هذه القصص لتقطع الشك باليقين، وتئد المشكلة في مهدها؟!

حسناً، لنظنّ خيراً بأن الأجهزة المسؤولة كانت مشغولة في أمور أهمّ خلال السنوات التي مضت، مع أن الأمر اليوم أسهل بكثير مما كان عليه بالأمس، بفضل الاتصالات والإنترنت وسهولة التواصل مع الجامعات لمعرفة ما إذا كان “المذكور” من خريجيها أم لا، وما إذا كانت الجامعة قائمة أساساً أم وهمية... ولكن السؤال المهم: لماذا يلجأ البعض، وهذا البعض يبدو ليس قليلا، إلى تزوير الشهادة؟

أولاً، لنعلم أن المسألة ليست حكراً على بعض الدول وبعض الثقافات، فهناك الكثير جداً من الحالات المتوزعة على بلاد الدنيا، والسؤال أيضاً: لماذا؟

في الكثير جداً من الدول، والمجتمعات، والمؤسسات، تكون الشهادة الورقية أهم بمراحل من الشهادة المهارية والمعرفية، وهي المقياس الذي يقول الكثير من المختصين إنه لا يعني شيئاً، ولا يقيس القدرات الحقيقية للفرد، ولكن الشهادة مثل الديمقراطية التي يقر الجميع بقصورها، وأنها ليست الطريقة المثلى للوصول إلى الرأي الذي يجب أن يسود، ولكن – إلى الآن – لم تخترع البشرية نموذجاً أفضل.

فلقد صارت الشهادة العليا خصوصاً (ما بعد البكالوريوس)، أساس الترقي، وأساس استلام المناصب الإدارية الوسطى، أي من منصب مدير وأعلى، ولأن السباق محموم، والمتنافسون كثر، والوقت قصير... ماذا أفعل؟ والشهادات عموماً هي التي تفتح أبواب العمل، ومن دونها سيجري ردّ المتقدم للوظيفة من قبل أن تجرى له المقابلة الأولية، ولأن الشهادة، وصارت الحروف السابقة للاسم، وخصوصاً في بلداننا العربية، لها من الأهمية والوجاهة ما لا يمكن مقاومته، وقلة من الذين لا يتباهون بهذه الحروف التي تجعل لهم مهابة ومكانة، وحتى في العلاقات الزوجية، فإن عدم التكافؤ العلمي قد يكون أحد الأبواب التي تدخل منها الخلافات بين الزوجين وتنتهي القصة إلى العواقب غير المحمودة.

دوافع تزوير الشهادات كثيرة ومتعددة، والغفلة – أو التغافل الرسمي – سوّغت للمئات، وربما الآلاف في المنطقة لتلفيق أوراق مقوّاة، كتبت عليها أسماء جامعات وهمية، أو رُصّعت بدرجات وهمية، حيث لا أحد يسأل عن العلم الذي تحمله، بل عن الورقة التي تتأبّطها.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .